حين تفرض الظروف المعقدة شحًا حادًا في أبسط متطلبات الحياة، يبتكر أهل غزة مسارات بديلة تتجاوز حدود العجز، محولين تفاصيل الواقع اليومي إلى طاقات عمل منتجة.
إذ لم تعد خيام النازحين التي المتهالكة بفعل العوامل الجوية مجرد أقمشة منتهية الصلاحية، بل غدت مادة أولية تُستثمر بمهارة؛ وعلى ماكينة خياطة بسيطة، لا يبدأ محمد الشنشير عمله بقماش جديد، بل بقطعة من خيمة أنهكها الاستخدام والشمس والرطوبة، يقلبها بين يديه، يبحث عن الجزء الذي ما زال قادرًا على الصمود، ثم يقصّه ويعيد خياطته، لتخرج منه حقيبة جديدة بعد أن كان جزءًا من مأوى لعائلة نازحة.
هذه الحرفة لم تبدأ من وفرة المواد، بل من ندرتها؛ ففي غزة، حيث أصبح الحصول على مستلزمات الخياطة والمواد الخام أكثر صعوبة وكلفة، يحاول خياطون تحويل ما يتوفر بين أيديهم إلى منتجات قابلة للاستخدام ومصدر دخل يساعدهم على تأمين احتياجات أسرهم.
وفي ورش صغيرة، تنتقل أقمشة الخيام التالفة من مرحلة إلى أخرى؛ تبدأ بالفرز واختيار الأجزاء الصالحة، ثم التنظيف والتجفيف وفحص المتانة، قبل قصها وفق مقاسات محددة وخياطتها لتصبح حقائب بأشكال وأحجام مختلفة.
يقول الخياط محمد الشنشير، من حي الزيتون في غزة، لـ "وكالة سند للأنباء"، إن العمل يبدأ بفرز أقمشة الخيام التالفة، "مش كل قطعة بتنفع للخياطة"، موضحًا أن بعضها يكون متضررًا بفعل الشمس أو الرطوبة أو كثرة الاستخدام، بينما تبقى أجزاء أخرى بحالة تسمح بإعادة توظيفها.
وبعد الفرز، تُنظف الأقمشة وتُترك حتى تجف جيدًا، ثم تُفحص مرة أخرى للتأكد من قدرتها على تحمل الاستخدام.
التعليقات (0)