هناك بلدان تستطيع أن تقرأ تاريخها في الكتب وبلدان تستطيع أن ترى حاضرها في صور الأخبار لكن هناك بلدا مثل الصين البعيدة التي تصلنا عنها روايات كثيرة وتحيط بها حملات تشويه تقودها الولايات المتحدة ودول غربية. وفي حالة الصين لا يكفي أن تقرأ عنها ولا أن تشاهدها من بعيد بل عليك أن تذهب إليها لترى بعينيك كيف تحولت الفكرة إلى دولة وكيف تحولت المعاناة إلى قوة وكيف استطاع شعب أن يبني من ظروفه الصعبة مسيرة غيرت وجه بلاده وكيف استطاعت 56 قومية أن تعيش وتعمل كأنها فريق واحد ضمن دولة واحدة.
ذهبنا إلى الصين لنرى بأنفسنا كيف تتعامل مع تنوعها القومي وكيف تقدم تجربتها في المساواة بين القوميات واحترام خصوصياتها والحفاظ على وحدة الدولة. وشاهدنا في أماكن مختلفة من الرحلة مظاهر هذا التنوع وكيف يجتمع تحت مظلة وطن واحد. وفي الوقت نفسه لمسنا أن الصين تنظر بحساسية شديدة إلى الأفكار الانفصالية التي يمكن أن تهدد وحدة الدولة وتحول التنوع إلى صراع وتفكك المجتمع إلى كيانات متنازعة. وهذا جعلنا نستحضر تجارب مناطق أخرى من العالم حيث أدى توظيف الانقسامات القومية والطائفية إلى إضعاف الدول وتحويل شعوبها إلى ساحات للصراع.
ومن هنا اكتسب سور الصين العظيم بالنسبة لنا معنى يتجاوز كونه أثرا تاريخيا. فقد بناه الصينيون قبل آلاف السنين لحماية وطنهم من الأخطار القادمة من الخارج. أما الصين التي رأيناها اليوم فتبدو وكأنها تبني صورة أخرى للسور: جسورا للتواصل مع العالم وجسورا للتعاون وجسورا للمعرفة والتجارة والمنفعة المتبادلة.
كانت رحلتنا إلى الصين ضمن ندوة التعاون الإعلامي بين الأحزاب السياسية تجربة مختلفة بكل معنى الكلمة. ثلاثون حزبا من ثلاثين دولة وثقافات وتجارب سياسية واجتماعية مختلفة اجتمعوا في مكان واحد لا لكي يتحدث كل طرف عن نفسه فقط بل لكي يستمع إلى الآخر ويتعرف عليه ويناقشه ويفهم كيف يرى العالم من زاويته. وهذه بحد ذاتها كانت درسا في أهمية الحوار لأن الاختلاف لا يصبح مشكلة عندما نمتلك القدرة على الاستماع والفهم والبحث عن المساحات المشتركة.
جئنا إلى الصين ونحن نحمل معنا الكثير من الأسئلة والصور والانطباعات التي صنعتها الأخبار والكتب والروايات المتداولة عنها. لكننا اكتشفنا أن الصين التي تراها بعينيك أكبر بكثير من الصين التي يمكن أن تنقلها إليك شاشة أو تقرير. ولهذا لم نأت إلى الصين لنصدق كل شيء ولم نأت لنرفض كل شيء. جئنا لنرى ونسأل ونناقش ونقارن ونفكر ثم نعود بما رأيناه وعرفناه بأنفسنا.
في بكين بدأنا من الصين الحديثة ومن الإعلام والتكنولوجيا والمؤسسات. رأينا كيف تستخدم الصين أدوات الإعلام والتقنية للوصول إلى العالم وكيف تقدم تجربتها من خلال مؤسساتها ووسائل إعلامها. وكان الدرس واضحا بالنسبة لي: الدولة التي تمتلك تجربة كبيرة لا يكفي أن تنجح في الداخل بل تحتاج أيضا إلى أن تعرف كيف تشرح تجربتها للعالم وأن تستمع في الوقت نفسه إلى روايات الآخرين.
التعليقات (0)