نادرا ما تنتهي حكاية الكتاب عند الصفحة الأخيرة، فأحيانا تبدأ حكايته الحقيقية بعد أن يغادر المطبعة؛ عندما يُحتجز عند الحدود، أو يُسحب من معرض، أو يدخل قاعة محكمة، أو يتوارى من رفوف مكتبة، لينتقل سرا من يد إلى أخرى.
من هذه المنطقة الشائكة، الواقعة بين "النص ومصيره "، ينطلق الكاتب إبراهيم زولي في كتابه الجديد «نيران على الرفوف: حكايات الكتب الممنوعة»، باحثا لا في الكتب التي أثارت الجدل فحسب، بل فيما فعلته الرقابة بها، وما فعلته هي بالرقابة.
يبدأ زولي من ذاكرة شخصية مبكرة، حين كانت كلمة «ممنوع» في سنوات الدراسة كافية لإشعال الفضول قبل أن يعرف القارئ الصغير معنى الرقابة. يروي كيف انتقلت الكتب والدواوين بين الطلاب كمنشورات سرية، وكيف اكتسب الكتاب جاذبيته من الطريق الوعر الذي سلكه ليصل إلى قارئه.
هذه الذاكرة ليست مجرد مقدمة اعترافية عابرة، بل هي المدخل الذي يبني عليه الكتاب سؤاله المركزي: ما الذي نعنيه تحديدا عندما نقول إن كتابا قد «مُنع»؟
الميزة التي تمنح الكتاب صرامة منهجية وسط موضوع يُغري بسرد الحكايات المثيرة، هي أن مؤلفه لا يضع كل أشكال التضييق في سلة واحدة. ثمة فرق شاسع بين الحظر القانوني، ومصادرة النسخ، ومنع العرض، والرقابة السابقة على النشر، وبين الاستبعاد من المناهج والمكتبات. بل إن زولي يتحفظ على الروايات الشائعة عن المنع حين لا تسندها وثيقة، مفصلاً بين الواقعة المثبتة والأسطورة التي تتضخم حول الكتاب مع مرور الزمن.
وهنا يتحول «نيران على الرفوف» من مجرد سجل للكتب الممنوعة إلى محاولة لتفكيك كلمة «المنع» ذاتها. فسحب كتاب لعدة أيام من جناح معرض لا يعادل حظر تداوله في بلد كامل، ومحاكمة المؤلف ليست كمصادرة كتابه، حتى وإن استقرت كل هذه الوقائع في الذاكرة الشعبية تحت اللافتة المغرية ذاتها: «كتاب ممنوع».
التعليقات (0)