كثيراً ما نسمع تساؤلات حول دور الحوكمة في مؤسساتنا الأهلية: هل هي جسم مساند يقود المؤسسة نحو رسالتها، أم عبء إجرائي يُثقل مسارها؟ وهل مجلس الإدارة شريك حقيقي في صناعة القرار، أم جهة قد تتخذ قراراتها بمعزل عن الخبرة الميدانية والمعرفة التراكمية لدى الكوادر التنفيذية والإدارية؟ هذه التساؤلات ليست نظرية؛ فقرار استراتيجي واحد يُتخذ دون الاستناد إلى هذه الخبرة قد يمس مساراً مؤسسياً بُني بجهد سنوات. وهذا تحدٍّ لا تخلو منه مؤسساتنا الأهلية، وإن تفاوتت درجته من مؤسسة إلى أخرى؛ فبينما نجحت مؤسسات في ترسيخ ثقافة تشاركية حقيقية بين مجلس الإدارة وكوادرها، ما زال كثير منها يعاني من فجوة بين من يقرر ومن يملك المعرفة الميدانية اللازمة لاتخاذ القرار السليم. وهذا الواقع المتفاوت هو ما يدفعنا إلى طرح هذا السؤال بروح المسؤولية لا النقد: هل الحوكمة في مؤسساتنا الأهلية يدٌ تُسند المؤسسة وتبنيها، أم سلطة تُمارس بمعزل عن الخبرات التي صنعت نجاحها؟
في كل مؤسسة أهلية فلسطينية عريقة، قصة طويلة من الجهد الجماعي؛ موظفون أفنوا سنوات من عمرهم في بنائها، ومتطوعون آمنوا برسالتها، ومجتمع وثق بها فمنحها الاستمرارية والدعم. وهذا التراكم المؤسسي يدفعنا اليوم إلى طرح سؤال: هل ما زالت آليات صنع القرار تعكس هذا الجهد الجماعي وتحميه، أم أن الوقت قد حان لتطويرها بما يجعلها أكثر شمولاً؟
لا تنطلق هذه المقالة من نقد منظومة الحوكمة، بل من الإيمان بأهميتها، وبأن تطويرها مدخل أساسي لتعزيز كفاءة مؤسساتنا الأهلية واستدامتها. ومن هذا المنطلق، تقترح المقالة نموذجاً فلسطينياً جديداً تحت مسمى "الحوكمة التشاركية"، يقوم على توسيع دائرة المشاركة في صناعة القرار والاستفادة من الخبرات المؤسسية المتراكمة، إلى جانب الدور الأصيل لمجلس الإدارة والإدارة التنفيذية.
يشير الباحث David O. Renz، أحد أبرز المتخصصين في حوكمة المؤسسات غير الربحية، إلى أن الحوكمة تمثل الركيزة الأساسية لقيادة هذا النوع من المؤسسات، وأن مجالس الإدارة هي الجهة التي تمارس هذه القيادة عملياً.
كما يؤكد الباحث Chris Cornforth أن الحوكمة في المؤسسات غير الربحية تقوم على وظيفتين أساسيتين لا تنفصلان: المساءلة والشفافية، مع ضرورة التوازن بين الرقابة والقيادة الاستراتيجية.
ويعرّف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) الحوكمة الرشيدة بأنها منظومة تقوم على المشاركة، وسيادة القانون، والشفافية، والاستجابة، والتوافق، والعدالة، والكفاءة، والمساءلة، والرؤية الاستراتيجية.
التعليقات (0)