المشهد السياسي الإسرائيلي الراهن، تبدو المعركة وكأنها تدور بين نتنياهو ومعارضيه، بين اليمين الذي يقوده وبين قوى سياسية تسعى إلى إسقاطه وإعادة ترتيب البيت الإسرائيلي من الداخل، لكن التدقيق في تاريخ هذه القوى ومواقفها يكشف مفارقة أكثر عمقاً: كثير من قادة المعارضة لا يمثلون قطيعة حقيقية مع المنظومة السياسية والأيديولوجية التي أنتجت بنيامين نتنياهو، وإنما يمثلون في كثير من الأحيان نسخة أكثر هدوءاً وأقل صخباً منها.
فمن يائير لبيد وبيني غانتس ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، وصولاً إلى غادي آيزنكوت، نجد أنفسنا أمام شخصيات لم تكن خارج النظام الذي قاد إسرائيل نحو مزيد من الاحتلال والاستيطان والتوسع العسكري، بل كانت جزءاً من هذا النظام، وشغلت مواقع مؤثرة في حكوماته ومؤسساته الأمنية والسياسية، ولذلك فإن تقديم هذه الشخصيات اليوم باعتبارها بديلاً جذرياً عن نتنياهو يحتاج إلى كثير من المراجعة، لأن الاختلاف في الأسلوب لا يعني بالضرورة اختلافاً في الجوهر.
لقد أثبت التاريخ السياسي الإسرائيلي أن الخصومة مع نتنياهو لم تمنع قادة من العمل معه عندما اقتضت مصالح النظام ذلك، إيهود باراك انضم إلى حكومته عام 2009 وتولى وزارة الدفاع، ويائير لبيد أصبح وزيراً للمالية في حكومة نتنياهو عام 2013، فيما دخل غانتس وآيزنكوت لاحقاً في أطر سياسية وحكومات طوارئ مع نتنياهو تحت عناوين الأمن والوحدة الوطنية، هذه الوقائع ليست مجرد تفاصيل من الماضي، وإنما تكشف حدود المعارضة الإسرائيلية عندما يتعلق الأمر بالقضايا الأساسية التي تتصل بالأمن والاحتلال والقوة العسكرية والسياسة تجاه الفلسطينيين. أخبار ذات صلة باحث: المعارضة الإسرائيلية تتجنب طرح الحقوق الفلسطينية في انتخابات الكنيست نتنياهو يهدد إيران مجددا: قادرون على إسقاط نظامها
والأكثر دلالة أن دخول بعض قادة المعارضة إلى حكومة نتنياهو خلال الحرب على غزة لم يكن مجرد مشاركة شكلية، بل جعلهم جزءاً من عملية اتخاذ القرار وإدارة الحرب ، وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كان الخلاف مع نتنياهو لا يمنع المشاركة في حكومته عندما تكون الحرب في أوجها، فأين تقع الحدود الفاصلة بين المعارضة والائتلاف عندما يتعلق الأمر بجوهر السياسة الإسرائيلية؟
المشكلة الحقيقية ليست في نتنياهو وحده، مهما كان حجم مسؤوليته السياسية، وإنما في منظومة أوسع جعلت من الاحتلال والاستيطان والقوة العسكرية مكونات راسخة في التفكير السياسي الإسرائيلي، نتنياهو لم يخترع هذه المنظومة من العدم، لكنه دفعها إلى مستويات أكثر تطرفاً، ونجح في تحويل كثير من أفكار اليمين إلى حقائق سياسية يصعب على خصومه التراجع عنها، ولذلك فإن إسقاط نتنياهو من دون إسقاط المنطق الذي أنتجه قد يؤدي في النهاية إلى إعادة إنتاج سياساته بوجه جديد ولغة مختلفة.
وهنا تكمن المعضلة: كيف يمكن مواجهة نتنياهو بنسخة مخففة منه؟ وكيف يمكن تقديم شخصيات شاركت في إدارة الاحتلال والحروب باعتبارها مشروعاً للتحول السياسي الجذري؟ قد يختلف المعارضون مع نتنياهو في طريقة إدارة الحرب، أو في مستوى التصعيد، أو في أسلوب مخاطبة المجتمع الدولي، أو في الحسابات المتعلقة بالمصلحة الإسرائيلية، لكن ذلك لا يعني أنهم تجاوزوا الإطار الفكري الذي ينظر إلى الفلسطينيين وقضيتهم من زاوية أمنية وعسكرية قبل أي شيء آخر.
التعليقات (0)