في قاعة المنتدى بمتحف ياسر عرفات في رام الله، تحولت ندوة «السياسة الخارجية الصينية الناعمة في ظل المتغيرات الدولية – دراسة حالة فلسطين»، التي نظمتها الحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والأبرتهايد الإسرائيلي (IACA)، إلى مساحة واسعة للنقاش حول التحولات التي تشهدها السياسة الخارجية الصينية، وحول الكيفية التي استطاعت بها بكين أن تطور أدوات حضورها الدولي من الدبلوماسية التقليدية والقوة الناعمة إلى الفضاء الرقمي، وقد عكس الحضور الحاشد والنوعي للندوة اهتماماً متزايداً بالتجربة الصينية، ليس فقط باعتبارها تجربة اقتصادية وتنموية، وإنما بوصفها نموذجاً سياسياً ودبلوماسياً يستحق الدراسة، ولا سيما في ظل التحولات المتسارعة في النظام الدولي.
أنصت الحضور إلى مداخلات سفير جمهورية الصين الشعبية لدى دولة فلسطين، سون تشن، والأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، د. أحمد مجدلاني، في نقاش عكس عمق العلاقات الفلسطينية – الصينية، وما اكتسبته هذه العلاقات من زخم خلال السنوات الأخيرة، وقد بدا السفير تشن حاضراً بصورة لافتة في المشهد الفلسطيني، ليس فقط من خلال نشاطه الدبلوماسي التقليدي، وإنما أيضاً عبر حضوره الإعلامي والرقمي، وتواصله المباشر مع النخب السياسية والأكاديمية والمجتمعية الفلسطينية، وهذا الحضور يطرح سؤالاً يتجاوز شخص السفير ونشاطه، ليتصل بتحول أوسع في أدوات الدبلوماسية الصينية، حيث لم تعد السفارة مجرد قناة رسمية لنقل المواقف، بل أصبحت جزءاً من فضاء اتصالي مفتوح ومتعدد المستويات، ولعل الحضور الكبير للندوة والاهتمام بما طرحته من أفكار يعكسان، في جانب منهما، عمق العلاقة بين الشعبين الفلسطيني والصيني، والرغبة المتزايدة لدى الأوساط الأكاديمية والسياسية الفلسطينية في فهم التجربة الصينية والاستفادة من دروسها.
وترتبط فلسطين والصين بعلاقة تاريخية تعود إلى عقود طويلة، فقد تطورت الاتصالات بين الثورة الفلسطينية والصين منذ ستينيات القرن الماضي، وتواصل الدعم السياسي والدبلوماسي الصيني للقضية الفلسطينية، وصولاً إلى إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ودولة فلسطين عام 1988، ومنذ ذلك الوقت، حافظت العلاقات بين الجانبين على مسار متنامٍ، وتوسعت لتشمل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والتنموية، وهذه الخلفية التاريخية مهمة لفهم طبيعة الحضور الصيني في فلسطين اليوم؛ فالدبلوماسية الصينية لا تبدأ من الصفر، وإنما تتحرك فوق رصيد طويل من الثقة السياسية والعلاقات الشعبية والرسمية.
وتعد الدبلوماسية الصينية إحدى الأدوات الأساسية التي اعتمدت عليها بكين في تعزيز حضورها ومكانتها على الساحة الدولية، وقد ارتكزت السياسة الخارجية الصينية، في جانب مهم منها، على مبادئ التعايش السلمي، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتوسيع التعاون متعدد الأطراف.
ومع التحولات التي شهدها النظام الدولي، تطورت أدوات هذه الدبلوماسية لتشمل إلى جانب القنوات السياسية والاقتصادية، التبادل الثقافي والتعليمي، والإعلام الدولي، والمساعدات والتعاون التنموي، ومبادرة الحزام والطريق، وغيرها من الأدوات التي ساهمت في بناء صورة الصين وتعزيز حضورها الدولي، غير أن التحول الأهم في السنوات الأخيرة يتمثل في انتقال جزء متزايد من هذا الحضور إلى المجال الرقمي، فالدبلوماسية المعاصرة لم تعد تمارس فقط داخل غرف المفاوضات، أو عبر البيانات الرسمية واللقاءات الثنائية، بل أصبحت تمارس أيضاً على شاشات الهواتف والحواسيب، وفي منصات التواصل الاجتماعي، وفي الفضاءات التي يتشكل فيها الرأي العام العالمي لحظة بلحظة.
ومن هنا برز مفهوم «الدبلوماسية الرقمية»، الذي يتجاوز مجرد استخدام التكنولوجيا بوصفها وسيلة اتصال، إلى إعادة تشكيل أدوات السياسة الخارجية وطريقة إدارة العلاقات الدولية، فالفضاء الرقمي أصبح ساحة لبناء السرديات، وإدارة الصورة والسمعة الدولية، وتوضيح المواقف الرسمية، والتفاعل المباشر مع الجمهور، والتأثير في النقاش العام.
التعليقات (0)