f 𝕏 W
الحرية تلد حرية

جريدة القدس

سياسة منذ 38 دق 0 3 د قراءة
زيارة المصدر ←

الحرية تلد حرية

حين تناضل حركة تحرر من أجل حرية شعبها، يبدو طبيعيا أن ينظر إلى الحرية باعتبارها الغاية التي يصل إليها المجتمع بعد انتهاء النضال. لكن هذه النظرة تفصل بين الطريق والغاية، وكأن الحرية يمكن أن تؤجل إلى اليوم التالي للتحرر. والحقيقة أن الطريق يصنع جزءا من الغاية، لأن ما تفعله الحركة بالإنسان والمجتمع أثناء النضال يحدد إلى حد بعيد نوع الإنسان والمجتمع اللذين سيحملان ثمرة التحرر.

إذا كانت الغاية هي تحرير الإنسان من السيطرة ومصادرة الإرادة، فلا يمكن أن يبدأ النضال بمصادرة إرادته داخله. فالحرية ليست فقط ما نقاتل من أجله، وإنما ما نمارسه ونحن نقاتل. أن يفكر الإنسان، ويختلف، وينتقد، ويقترح، ويبادر، ويتحمل المسؤولية، يعني أنه لا ينتظر التحرر لكي يصبح فاعلا، بل يستعيد منذ الآن جزءا من المجال الذي يحاول خصمه مصادرته منه. بهذا المعنى تصبح ممارسة الحرية نفسها شكلا من أشكال مقاومة السيطرة.

وهذا ليس ترفا أخلاقيا، بل مصدر قوة. فالإنسان الذي يملك مساحة للتفكير والمبادرة لا يبقى منفذا ينتظر التعليمات، بل يصبح شريكا في إنتاج الفعل. ومن هذه البيئة تظهر الكفاءات والقيادات، وتتسع قاعدة المشاركة، وتنتقل المسؤولية بين الأجيال، وتصبح الحركة أقل اعتمادا على مركز واحد وأكثر قدرة على التجدد والاستمرار.

ولا تعني الحرية غياب الانضباط. فالحرية تفتح المجال للتفكير والنقد والاقتراح والمبادرة، ثم يتحول القرار بعد اتخاذه إلى التزام ومسؤولية. ولذلك يكون الانضباط الذي يسبقه حق في الاختلاف أعمق من الانضباط الذي ينتج عن الخوف والصمت، لأنه يقوم على الاقتناع. وكذلك تكون الوحدة أكثر صلابة حين تقوم على قضية وقواعد مشتركة، لا على إلغاء التعدد.

وحين يحدث ذلك يتحول المجتمع من جمهور يستدعى عند الحاجة إلى قوة تشارك في إنتاج النضال. فالتعبئة التي تقوم على الأوامر والشعارات تحتاج دائما إلى إعادة إنتاجها، أما المشاركة التي تنبع من شعور الإنسان بأن القضية جزء من حريته وكرامته ومستقبله فتستطيع الاستمرار عندما تخفت الحماسة وتتغير الظروف. وهنا تبدأ الحركة في تحرير شيء أعمق من المجال السياسي: إنها تحرر الطاقات الكامنة في المجتمع، وتحول الإنسان من متلق للنضال إلى أحد مصادره.

لكن الحرية لا تنفصل عن النزاهة. والنضال من أجل حرية الإنسان لا يسمح بهامش أخلاقي أوسع، بل يفرض قدرا أعلى من النقاء. لا يمكن تأجيل العدالة والنزاهة إلى ما بعد الانتصار، لأن الوسيلة تبدأ في تشكيل الغاية منذ اللحظة الأولى. والفساد ليس انحرافا أخلاقيا منفصلا عن المعركة؛ إنه يبدد الثقة، ويفسد العلاقة بين الإنسان والقضية، ويحول الموقع العام إلى منفعة خاصة، ويفتح للخصم منافذ إلى المجتمع.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)