لم يعد الريال الإيراني مجرد عملة تتحدد قيمتها في ضوء التضخم والاحتياطيات وسعر الفائدة وحركة التجارة، بل أصبح واحدا من ميادين الحرب نفسها. فمع كل ضربة عسكرية أو تهديد بعقوبات جديدة تهتز سوق الصرف، ومع كل قناة مالية تغلقها واشنطن تبحث طهران عن منفذ آخر، من الصين إلى الذهب والعملات المشفرة والشبكات المصرفية الموازية. وهكذا بات السؤال يتجاوز مقدار ما خسره الريال أمام الدولار إلى سؤال أكثر جوهرية: هل ما زال ممكنا الحديث عن سياسة نقدية تقليدية في بلد باتت فيه اعتبارات الحرب والبقاء الأمني تتقدم على الحسابات الاقتصادية المعتادة؟
هذا هو المدخل الذي تنطلق منه دراسة الباحث الاقتصادي باسم محمد عباس، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، بعنوان "اقتصاد الحرب في إيران: السياسة النقدية والمالية في مواجهة العقوبات و"الإنزال الاقتصادي"". وهي تضع العملة الإيرانية في قلب مواجهة اقتصادية متصاعدة بين طهران وواشنطن، وتتعقب ما حدث منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط 2026، وكيف حاولت إيران احتواء آثارها، وإلى أي مدى لا تزال الأدوات التي طورتها على مدى سنوات للالتفاف على العقوبات قادرة على العمل.
الدراسة لا تنظر إلى انهيار الريال باعتباره قصة نقدية منفصلة عن الحرب، بل بوصفه مرآة لما يحدث في الاقتصاد الإيراني كله. فالولايات المتحدة صعدت الضغط العسكري والمالي في وقت واحد، ووصف الرئيس دونالد ترمب الحملة الاقتصادية الجديدة، في أغسطس/آب 2026، بأنها "يوم الإنزال الاقتصادي"، مستعيرا تسمية يوم إنزال قوات الحلفاء في نورماندي خلال الحرب العالمية الثانية، في إشارة إلى حجم الهجوم الاقتصادي على إيران، بينما أطلقت وزارة الخزانة الأمريكية على حملتها اسم "عملية المنبوذ الاقتصادي"، في تعبير عن مسعاها إلى تشديد عزل إيران عن النظام المالي والتجاري الدولي. ولم تستهدف الحملة إضافة عقوبات جديدة فحسب، وإنما ضرب المنافذ التي بنتها إيران لمقاومة العزلة المالية، ولا سيما التجارة مع الصين والذهب والعملات المشفرة.
وهنا تتشكل المفارقة التي تحكم الدراسة كلها: كلما ازدادت العقوبات اتساعا، ازدادت إيران ابتكارا في البحث عن طرق بديلة، لكن كلما أصبحت هذه الطرق أكثر أهمية لطهران، تحولت بدورها إلى أهداف جديدة لواشنطن.
كان الريال يعاني قبل الحرب، لكن ما تغير بعد اندلاعها هو سرعة التدهور وارتباطه المباشر بإيقاع التصعيد العسكري. وتظهر الأرقام حجم التحول: ففي 23 أغسطس/آب 2026 تجاوز الدولار حاجز مليوني ريال للمرة الأولى، ثم ارتفع إلى 2.05 مليون في 27 أغسطس/آب، وإلى 2.2 مليون في 2 سبتمبر/أيلول، قبل أن يبلغ 2.359 مليون ريال في 12 سبتمبر/أيلول.
وبذلك لم تعد سوق الصرف تتحرك فقط استجابة لمؤشرات العرض والطلب التقليدية، وإنما أصبحت شديدة الحساسية للأخبار القادمة من جبهات الحرب والعقوبات.
التعليقات (0)