الخميس 17 سبتمبر 2026 8:52 صباحًا - بتوقيت القدس
لم يكن فيلم "نازا" مجرد عرض في مهرجان البندقية، بل كان لحظة انفجار سياسي مؤجل في إسرائيل. الفيلم الذي حصد جائزة لجنة التحكيم بتصفيق استمر 25 دقيقة، لم يأتِ بمادة جديدة تماماً، بل أعاد ترتيب روايات الحرب على غزة بلسان إسرائيلي داخلي، وهذا ما جعله أخطر من أي تقرير خارجي.عنوان الفيلم مقصود بذكاء. كلمة "نازا" هي مصطلح عسكري إسرائيلي يعني عدد المدنيين المتوقع قتلهم في كل غارة. اختيار هذا العنوان يحول الضحايا من "أضرار جانبية" غير مقصودة إلى رقم محسوب مسبقاً في قرار القصف. وهذا هو جوهر الضربة الأولى: السياسية الداخلية.إسرائيل بنت لعقود سردية "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم". هذه السردية هي ما يحافظ على الإجماع الداخلي حتى في أوقات الانقسام. عندما يأتي 24 ضابطاً من وحدة الاستخبارات 8200 ويقولون أمام الكاميرا "كان هناك قتل جماعي بصورة ممنهجة"، وعندما يتحدثون عن نظام ذكاء اصطناعي يحدد هدفاً لمجرد التقاطه جملة "أبي في المنزل" من هاتف طفل، فإن الشرخ لم يعد بين يمين ويسار، بل بين الدولة وجنودها. لهذا كان رد رئيس الأركان إيال زامير فورياً بالتهديد بملاحقة قانونية وتشكيل فريق أزمة، فالمطلوب ليس نفي فيلم، بل احتواء تمرد أخلاقي داخلي.أما الضربة الثانية فهي قانونية بامتياز. الفيلم صدر في توقيت تتكدس فيه الملفات أمام محكمة الجنايات الدولية ومحكمة العدل الدولية. المحاكم الدولية لا تبحث عن ضحايا، بل تبحث عن نية ومنظومة. ادعاء أن الجيش كان يسمح بـ 500 نازا لتدمير حي كامل، وأنه كان يقصف منازل عائلات رغم علمه بوجود مدنيين فيها، هو بالضبط ما تحتاجه هذه المحاكم للانتقال من توصيف "أخطاء حرب" إلى "سياسة ممنهجة". بيان الجيش الذي أكد أن القرار "يتخذه بشر وليس ذكاء اصطناعي" لم يكن موجهاً للجمهور الإسرائيلي، بل كان رسالة قانونية للعالم.الضربة الثالثة هي معركة السرد. إسرائيل خسرت معركة الصورة في الجامعات الغربية ووسائل الإعلام الليبرالية، لكنها حافظت على رواية "نحن نحاول تجنب المدنيين". إنتاج الفيلم من قبل طاقم فيلم "منطقة الاهتمام" الحائز على الأوسكار، ومن قبل صحيفة الغارديان، يمنحه حصانة ثقافية لا يمكن وصمها بسهولة كدعاية معادية للسامية. هنا تكمن قوته السياسية: هو لا يخاطب الفلسطينيين، بل يخاطب الليبرالي الغربي الذي كان متردداً.الضجة في إسرائيل؟المصدر داخلي: الشهادات من داخل الوحدة 8200 ووحدات استخبارات مرتبطة بمكتب رئيس الوزراء، مش من مصدر خارجي، وهذا اللي خلاه يهز المؤسسة الأمنية.رد الجيش: الجيش الإسرائيلي قال أنه يرفض الشهادات بشكل قاطع لأنها مجهولة الهوية ولا يمكن التحقق منها، وقال إن القرارات تُتخذ "من قبل بشر وليس الذكاء الاصطناعي".التحرك القانوني: رئيس الأركان إيال زامير وجّه المدعي العسكري لبحث إجراءات قانونية ضد الفيلم والمتورطين فيه، وتشكيل فريق للتعامل مع ما وصفها بـ "الادعاءات الكاذبة" وتحديد من سرّب مواد سرية.الانقسام هو: الفيلم يُقدَّم في الخارج كوثيقة تكشف "منظومة القتل المحسوب"، بينما المؤسسة الرسمية في إسرائيل تعتبره حملة تشويه مبنية على شهادات غير قابلة للتحقق وتتجاوز معرفة الجنود الصغار.في النهاية، أهمية "نازا" ليست فيما إذا كانت شهاداته دقيقة 100% أم لا، فهذا ما ستبت فيه التحقيقات. أهميته أنه وضع الحكومة الإسرائيلية أمام مأزق: إذا كذبت جنودها، فهي تقمع شهودها وتعمق الانقسام. وإذا حققت معهم، فهي تعترف ضمنياً بوجود منظومة تستحق التحقيق.
نازا: عندما يتحول الوثائقي إلى زلزال سياسي
د. فواز عقل: متخصص في شؤون التعليم والتعلم
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)