وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى العاصمة الصينية بكين في زيارة دبلوماسية رفيعة المستوى، تأتي في ظل تقاطع معقد للحسابات الاستراتيجية بين إيران والصين والولايات المتحدة. وتتزامن هذه التحركات مع تصاعد حدة التوتر بين طهران وواشنطن، وتزايد الضغوط الأمريكية الرامية إلى تجفيف القنوات الاقتصادية والمالية التي تربط التنين الصيني بالجمهورية الإسلامية.
تسعى القيادة الصينية في هذا المشهد المتأزم إلى ممارسة سياسة توازن دقيقة للغاية تضمن الحفاظ على مصالحها مع الطرفين المتنازعين. فمن جهة، تعتز بكين بشراكتها الاستراتيجية الشاملة مع إيران وتدعم ما تصفه بالمصالح المشروعة لطهران، ومن جهة أخرى، تحرص على إدارة علاقتها مع واشنطن بحذر لتجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة غير محسومة النتائج.
يبرز مضيق هرمز كأحد أهم الركائز في الحسابات الصينية، كونه الممر الحيوي الذي يغذي الصناعات الصينية باحتياجاتها الضخمة من الطاقة. وتدرك بكين أن أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة داخل المضيق سيؤدي إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار النفط، مما يهدد استقرار الاقتصاد العالمي والأمن القومي الصيني المعتمد على الاستيراد.
تتبنى الصين خطاباً يدعو باستمرار إلى ضبط النفس والعودة إلى طاولة المفاوضات كسبيل وحيد لاحتواء التصعيد الإقليمي. وتهدف هذه الدعوات إلى منع اتساع رقعة المواجهة لتشمل ساحات أخرى مثل اليمن والبحر الأحمر، وهو ما يعكس رغبة بكين في حماية خطوط التجارة العالمية التي تمر عبر هذه الممرات الاستراتيجية.
تكتسب زيارة عراقجي أهمية مضاعفة لكونها تسبق زيارة مرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن، حيث من المتوقع أن يكون الملف الإيراني حاضراً بقوة. وتضغط إدارة الرئيس دونالد ترمب بشكل مكثف على بكين لتقييد التعاون المالي مع طهران، مما يضع الدبلوماسية الصينية أمام اختبار حقيقي لموازنة الشراكة مع إيران مقابل تجنب العقوبات الأمريكية.
يرى مراقبون ودبلوماسيون سابقون أن العلاقة بين الصين والولايات المتحدة تتسم بطابع جدلي ممتد، حيث تسعى واشنطن لإنهاء صراعاتها في الشرق الأوسط وأوكرانيا للتفرغ لمنافسها الاستراتيجي الأول. وتدرك بكين أن استنزاف القدرات الأمريكية في ملفات إقليمية قد يمنحها مساحة أكبر للمناورة في ملفات أخرى عالقة بين القطبين الكبيرين.
التعليقات (0)