في الحالة الفلسطينية، لا يمكن اختزال طول غياب الانتخابات في تعطيل استحقاق ديمقراطي؛ فهذا الانقطاع يعيد تشكيل العلاقة بين المجتمع والسلطة، ويغير المعنى العملي للتفويض والتمثيل والشرعية. فالانتخابات ليست يوم الاقتراع، بل دورة سياسية يتعلم فيها المجتمع منح السلطة ومراجعتها ومحاسبتها وتغييرها دون أن يعني ذلك انهيار النظام. وحين تنقطع هذه الدورة طويلا، لا تتعطل الممارسة فقط، بل يبدأ انتقال هادئ من التفويض إلى التكيف.
وجذور المسألة أقدم من الانقطاع الانتخابي الراهن. فقد تشكل جانب كبير من الممارسة السياسية الفلسطينية داخل حركة تحرر قادتها الفصائل والتنظيمات، في سياق لم تكن فيه العلاقة بين القيادة والجمهور تقوم على دورة انتخابية عامة منتظمة كتلك التي تقوم عليها الدولة. وحتى مع وجود مؤتمرات وآليات انتخابية ومساءلة داخل التنظيمات، ظل منطق التنظيم والاستمرارية والقيادة والنضال أكثر حضورا من علاقة المواطن بسلطة عامة تستمد شرعيتها من تفويض دوري قابل للتجديد أو السحب.
ومع قيام السلطة الفلسطينية، انتقل جزء من هذا الارث إلى فضاء يفترض منطقًا مختلفا: سلطة عامة تستمد شرعيتها من المواطنين، ومؤسسات تخضع للمراجعة، وتداول سياسي يقوم على التفويض والمساءلة. وهنا نشأ توتر بين ثقافة سياسية تشكلت في بيئة حركة تحرر ومتطلبات ممارسة السلطة العامة. ومع تعطل الانتخابات، لم تبق الفجوة مجرد اختلاف بين ارثين، بل أصبحت جزءا من الممارسة نفسها، فتحول الاستثناء إلى وضع يمكن للمجتمع أن يتكيف معه.
فالناخب الذي لا يعرف متى سيعود إلى الصندوق يعيش طويلا مع نتائج اختياره، ويغدو صوته أقرب إلى تسليم مفتوح المدى بدل أن يكون تفويضا مؤقتا يخضع للمراجعة. وفي المقابل، يعرف المسؤول في الانتخابات المنتظمة أن موقعه مؤقت وأنه سيعود إلى المجتمع طالبا تفويضا جديدا؛ لذلك تصبح سمعته وأداؤه وسمعة تياره وموقعه السياسي جزءا من حسابه اليومي. فالانتخابات لا تراقب السلطة يوم الاقتراع فقط، بل تؤثر في سلوكها طوال مدة التفويض.
ومن هنا تتشكل الرابطة السياسية بين صاحب التفويض ومن يمارسه: السلطة تمارس بتفويض، والمجتمع يحتفظ بحق مراجعة هذا التفويض وتحديد استمراره. ولذلك فالتفويض علاقة سياسية مستمرة، لا انتقال نهائي للسلطة. وحين تنقطع الانتخابات، تنقطع هذه الرابطة تدريجيا، ويتحول التفويض من وكالة سياسية قابلة للمراجعة إلى وضع سياسي مفتوح المدة.
ومع الزمن، تتكيف السلطة مع غياب الاختبار، ويتكيف المجتمع مع غياب أدوات المراجعة. وفي فلسطين تتراكم فوق ذلك سنوات الانقسام والاحتلال والازمات وتعدد مراكز الشرعية، فتطول الترتيبات المؤقتة، وتتحول الاستثناءات إلى أعراف، ويصبح تغيير الواقع أصعب من التكيف معه. والأخطر أن المجتمع قد يتكيف مع تكيفه نفسه؛ فيصبح المؤقت مألوفا، والتغيير أقل قابلية للتصور.
التعليقات (0)