الأربعاء 16 سبتمبر 2026 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس
لم يعد التلويح الأميركي بالحرب على إيران يقتصر على الملف النووي أو منع طهران من امتلاك السلاح النووي، بل بدأ يأخذ منحى أكثر وضوحاً وخطورة، عنوانه النفط وثروات الدولة الإيرانية، بعدما لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإمكانية بقاء الولايات المتحدة في إيران والسيطرة على نفطها، مستحضراً ما وصفه بتجربة بلاده في فنزويلا، وهذا التصريح لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد ورقة تفاوضية عابرة، لأنه يكشف أن الحسابات الأميركية تتجاوز فكرة إنهاء الخطر النووي إلى التفكير في كلفة الحرب ومَن سيدفعها، بل وربما تحويل الموارد الإيرانية نفسها إلى مصدر لتمويل الوجود العسكري الأميركي.فحين يتحدث الرئيس الأميركي عن البقاء والسيطرة على النفط، فإن السؤال لم يعد فقط: كيف تنتهي الحرب؟ بل أيضاً: ماذا تريد واشنطن من الحرب؟ وإذا كانت الولايات المتحدة ترى أن عائدات النفط يمكن أن تغطي تكاليف الحرب مرات عديدة، فإن ذلك يعني أن النفط لم يعد مجرد ملف اقتصادي في الحسابات الأميركية، وإنما أصبح جزءاً من المعادلة السياسية والعسكرية، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريو طويل الأمد لا تنتهي فيه الحرب بانتهاء العمليات العسكرية، بل تبدأ بعد ذلك معركة السيطرة على الموارد والنفوذ وشروط التسوية.والأكثر دلالة أن ترمب يتحدث في الوقت نفسه عن أن الحرب قد تنتهي قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية في نوفمبر أو بعدها مباشرة، وهنا تتداخل الحسابات الخارجية مع الحسابات الداخلية الأميركية؛ فالحرب ليست منفصلة عن الانتخابات، وصورة الرئيس أمام الناخب الأميركي، وكلفة الحرب، وأسعار الطاقة، والقدرة على تقديم أي نتيجة باعتبارها انتصاراً سياسياً، ولذلك فإن الحديث عن نهاية الحرب في هذا التوقيت لا يعني بالضرورة نهاية الصراع، فقد تكون واشنطن تبحث عن صيغة توقف العمليات الكبرى، لكنها تبقي أوراق الضغط والنفوذ والسيطرة الاقتصادية مفتوحة.وفي المقابل، فإن إعلان ترمب أن إيران تسعى بشدة إلى الاتفاق، وأن طهران تتصل باستمرار من أجل التفاوض، يعكس محاولة أميركية لإظهار نفسها في موقع صاحب الشروط، لا الطرف الذي يبحث عن مخرج، فترمب يقول بوضوح إنه لن يقبل اتفاقاً لا يحقق شروط واشنطن، ما يعني أن أي مفاوضات مقبلة لن تكون حول النووي وحده، بل قد تمتد إلى مستقبل النفوذ الإيراني، والقدرات العسكرية، وأمن الملاحة، وربما ترتيبات المنطقة بأكملها.وفي قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز، أحد أخطر مفاتيح الصراع، لأن المضيق ليس مجرد ممر مائي، بل شريان رئيسي للطاقة العالمية، وأي اضطراب واسع فيه يمكن أن ينعكس سريعاً على أسواق النفط والاقتصاد العالمي. ومن هنا تأتي أهمية الاجتماع الإقليمي الذي دعت إليه سلطنة عمان، قبل أن يعلن وزير الخارجية العماني تأجيله، في وقت كانت فيه المقترحات المطروحة تتعلق بتنظيم حركة الملاحة في المضيق.واللافت أن إيران، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن مسؤول إيراني، تريد ترتيباً يسمح لها بتحصيل رسوم من السفن العابرة للمضيق، وهو مقترح تعارضه مسقط ، وإذا صح هذا التوجه، فإنه يكشف أن طهران لا تنظر إلى المضيق باعتباره مجرد قضية ملاحة، بل باعتباره ورقة سياسية واقتصادية يمكن استخدامها في أي ترتيبات إقليمية مقبلة، وفي المقابل، فإن رفض عمان لهذا الطرح يعكس حساسية دول الخليج من تحويل واحد من أهم الممرات البحرية في العالم إلى أداة للصراع أو مصدر دخل مرتبط بموازين القوة العسكرية.وهنا يصبح المشهد أكثر تعقيداً: الولايات المتحدة تتحدث عن النفط الإيراني، وإيران تتمسك بأوراقها في الخليج ومضيق هرمز، ودول المنطقة تحاول منع تحول الممرات البحرية إلى ساحات مواجهة مفتوحة، بينما تبقى الأسواق العالمية رهينة لأي تصعيد جديد ، ولذلك فإن معركة إيران لا تدور فقط حول منشآت نووية أو أهداف عسكرية، وإنما حول من يملك القدرة على فرض شروطه على الطاقة والممرات البحرية والنظام الإقليمي بعد الحرب.المشكلة الأكبر أن تحويل النفط إلى تعويض عن كلفة الحرب يحمل في طياته منطقاً بالغ الخطورة، لأنه يجعل الحرب قابلة للحساب بمنطق الربح والخسارة الاقتصادية، وكأن الموارد الطبيعية للدولة المستهدفة يمكن أن تصبح غنيمة تعوض فاتورة الحرب، وإذا تحولت هذه الفكرة إلى سياسة فعلية، فإنها ستفتح سؤالاً أكبر حول مستقبل النظام الدولي نفسه: هل نحن أمام حرب هدفها تغيير سلوك دولة، أم أمام نموذج جديد تصبح فيه الثروات الطبيعية جزءاً من ثمن النزاع؟لذلك فإن التلويح الأميركي بالنفط الإيراني ليس تفصيلاً هامشياً، كما أن تأجيل الاجتماع الخاص بمضيق هرمز ليس حدثاً منفصلاً عن المشهد. كلاهما يرتبط بالمعركة على أوراق ما بعد الحرب، فواشنطن تريد ضمانات وشروطاً ومكاسب، وطهران تحاول الحفاظ على أوراق القوة، ودول الخليج تريد تجنب انفجار يهدد أمنها واقتصادها، بينما يبقى السؤال الأكبر معلقاً: هل تنتهي الحرب بتسوية سياسية، أم تتحول إلى بداية مرحلة جديدة من الصراع على النفط والممرات البحرية والنفوذ؟إن أخطر ما في المشهد ليس فقط احتمال استمرار الحرب، بل أن تتحول الحرب نفسها إلى وسيلة لإعادة توزيع القوة والثروة في المنطقة، وعندما يصبح النفط جزءاً من فاتورة الحرب، ومضيق هرمز جزءاً من شروط التفاوض، فإن المعركة تكون قد تجاوزت حدود الملف النووي بكثير، وأصبحت معركة على من يملك مفاتيح الشرق الأوسط بعد أن تهدأ أصوات المدافع.
النفط مقابل البقاء... ترمب يكشف الوجه الآخر للحرب على إيران
أحمد المالكي: رئيس مركز شؤون دولية باللغة العربية للدراسات السياسية والإعلامية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)