الأربعاء 16 سبتمبر 2026 9:58 صباحًا - بتوقيت القدس
اعترفت إسرائيل في أواخر عام 1986 على لسان الكولونيل "إفرايم سنيه" رئيس الإدارة المدنية الإسرائيلية آنذاك، بأن نحو 90% من ميزانية الإدارة المدنية في الأراضي الفلسطينية المحتلة كان يأتي من التحصيل الضريبي والجمركي بمختلف أشكاله، بينما لم تتجاوز مساهمة الحكومة الإسرائيلية 10–15%..كشف ذلك عن واحدة من حقائق الاحتلال وآلياته، فجزء أساسي من تكلفة إدارة الحكم العسكري في الأراضي الفلسطينية المحتلة كان يُموَّل من أموال الفلسطينيين أنفسهم. فكان الفلسطيني يدفع الضرائب والرسوم، فتعود نسبة كبيرة من هذه الأموال لتمويل الجهاز الذي يفرض عليه السيطرة.أربعون عاماً مضت على هذا الاعتراف تبدّلت خلالها الأدوات وأصبحت أكثر تعقيداً. فلم يعد الأمر مقتصراً على التحصيل المباشر، بل انتقل إلى المقاصة والاقتطاع والحجز والتحكم في تدفق الإيرادات وآليات تحويلها.نعم .. تغيرت الوسائل لكن بقي المال والاقتصاد إحدى أهم أدوات السيطرة الإسرائيلية على مسار الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. ومن هنا، لا يمكن فصل معركة التحرر الاقتصادي عن معركة التحرر الوطني، فالسيادة لا تعني امتلاك العلم والمؤسسات فقط، وإنما تعني أيضاً امتلاك القدرة على التحكم في الموارد والإيرادات وإدارة الاقتصاد بعيداً عن التبعية والإكراه. فالدولة التي لا تملك قرارها المالي، تظل قدرتها على امتلاك قرارها السياسي محدودة.لكن السؤال لا يتوقف عند الاحتلال. فثمة سؤال آخر أكثر قسوة: ماذا فعل الفلسطينيون بما امتلكوه من سلطة ومال ومؤسسات؟.قال لهم الشعب: ابتغوا لفلسطين العزَّ والمال والجاه .. عزّاً يصون سيادتها، ومالاً يبني اقتصادها، وجاهاً يرفع مقامها بين الأمم. لكن المفارقة المؤلمة أن بعضهم أصاب من العزّ لنفسه، ومن المال لجيبه، ومن الجاه لموقعه، بينما بقيت فلسطين تنتظر نصيبها !.وهنا تتجلّى واحدة من أعقد معضلات التجربة الفلسطينية والمتمثلة في المسافة بين الثورة والسلطة. فبعد أن كانت الثورة الفلسطينية مشروعاً للتحرر غذّته التضحيات والمنفى والمقاومة وحلم العودة والاستقلال، انتقلت الثورة إلى فضاء السلطة، ودخلت معها مفردات جديدة: الوظيفة، والامتياز، والموقع، والمال، والمصلحة. ومع مرور الوقت، اتّسعت المسافة بين منطق الثورة ومنطق السلطة .. بين سلطة يُفترض أن تكون أداة للتحرر، وسلطة قد تنشغل بإدارة الواقع والمحافظة عليه أكثر من العمل على تغييره.لم تكن المشكلة يوماً في بناء المؤسسات الوطنية، فالمؤسسات ضرورة لأي مشروع وطني. وإنما في أن تتحول المؤسسة من وسيلة لخدمة الشعب والقضية إلى وسيلة لحماية المواقع والمصالح. وهكذا، بقي الشعب الفلسطيني يدفع الثمن من ماله للاحتلال ومن تضحياته للمشروع الوطني، ثم ينتظر أن تتحول السلطة إلى سيادة والمال إلى تنمية والمؤسسات إلى طريق للتحرر.استعادة فلسطين تبدأ أيضاً من استعادة معنى السلطة والمال العام، فالسلطة ليست غنيمة والمال العام ليس امتيازاً والمؤسسة الوطنية ليست ملكاً لأصحاب المناصب، وإنّما هي كلها أدوات لخدمة فلسطين.وربما تختصر رحلة الثورة الفلسطينية العظيمة كلها عبارة واحدة:" تلك الثورة التي غذّتها وقوّضتها في آنٍ معاً المسافة بين الثورة والسلطة" .
رحلة الثورة الفلسطينية العظيمة: تلك المسافة بين الثورة والسلطة التي غذّتها وقوّضتها في آنٍ معاً
أحمد المالكي: رئيس مركز شؤون دولية باللغة العربية للدراسات السياسية والإعلامية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)