الأربعاء 16 سبتمبر 2026 9:56 صباحًا - بتوقيت القدس
اللافت في الحديث المتزايد عن احتمال تأجيل الانتخابات الفلسطينية ليس موعد الإعلان عن ذلك، بقدر ما يكشفه هذا الحديث عن مكانة الانتخابات نفسها في الوعي العام، فالسؤال الذي يبدو أكثر أهمية اليوم ليس هل ستجري الانتخابات في موعدها؟ فهذه تبدو محسومة سياسيا، بل هل ما زال الفلسطيني يرى في الانتخابات وسيلة حقيقية للتغيير وتجديد الشرعية والتعبير عن إرادته؟تتجسد الأزمة التي يعيشها المجتمع الفلسطيني اليوم في حالة ابتعاد متزايدة عن مسارات العمل السياسي، وفي مقدمتها الانتخابات، فقد تحولت، في نظر قطاعات واسعة من المجتمع، من إداة للتداول السياسي والمساءلة والتغيير الى إجراء شكلي تحكمه حسابات السلطة والفصائل والظروف الإقليمية والدولية، لذلك لم تعد اخبار اجرائها او تأجيلها تثير الاهتمام الذي يفترض ان يرافق استحقاقا سياسيا ووطنيا بهذا الحجم، وليس مرد ذلك بالضرورة الى عزوف الفلسطيني عن السياسة، بقدر ما يعكس شعورا متراكما بان هذه المسارات لا تلامس همومه اليومية، ولا تستجيب لتطلعاته الوطنية، ولا تملك وحدها القدرة على تغيير واقع سياسي ومعيشي شديد التعقيد.هذا التبلد لم يأت من فراغ، بل نتيجة مسار طويل من تآكل الثقة بالعملية الديمقراطية ومؤسسات الحكم، فتراجعت الانتخابات خلال السنوات الماضية من كونها حقا سياسيا، الى كونها حدثا اداريا يخضع للتوقيت والحسابات، بعد تأجيل الانتخابات اكثر من مرة، ودون ان تستعيد العملية السياسية ذلك الرصيد الشعبي، يصبح من الصعب اقناع الفلسطيني بان الحديث عن الاصلاح السياسي يعني بالضرورة إعادة القرار اليه.هنا تتقاطع الحسابات المحلية مع المقاربة الدولية للإصلاح، فالمطلوب من السلطة إصلاح مؤسساتها وتجديد شرعيتها، لكن كثيرا من هذا الضغط يبدو منشغلا بإنتاج نظام فلسطيني اكثر قابلية للتعامل معه دوليا، اكثر من انشغاله بإعادة بناء العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ولا يعني ذلك ان الخارج يحدد كل تفاصيل العملية، لكنه يقبل احيانا بنتائج اصلاحات شكلية ما دامت تنتج تغييرا يمكن الاعتراف به والتعامل معه، وهنا تكمن المشكلة، فالإصلاح الذي يقاس بمدى قبول العواصم الغربية له، لا بمدى شعور المواطن بانه شريك فيه، قد يعيد ترتيب المؤسسات، لكن دون ان يعيد بناء الشرعية.لذلك ليست المشكلة في الانتخابات بوصفها صندوقا وناخبا ومرشحا، بل في الاعتقاد المتنامي بان الصندوق غير قادر على تغيير المعادلة، وهذا ما أظهرته الانتخابات المحلية الأخيرة، فإجراء الانتخابات وأدارتها فنيا لا يعني بالضرورة عودة الحياة الديمقراطية، خصوصا في ظل محدودية المنافسة، والغياب الطويل للانتخابات الوطنية.ان استمر هذا المسار، فان الخطر الاكبر لن يكون فقط في انخفاض المشاركة، بل في تحول اللامبالاة الى موقف سياسي "مستقر"، فالمواطن الذي لا يرى فرقا بين إجراء الانتخابات من عدمه، قد لا يكون غير مهتم بالسياسة بقدر ما يكون قد وصل الى قناعة اكثر خطورة، وهي ان السياسة نفسها لم تعد معنية به، وان صوته لم يعد قادرا على تغيير قواعد اللعبة، وان الانتخابات لم تعد أداة للتغيير بقدر ما أصبحت إجراء يعاد من خلاله ترتيب المشهد السياسي دون ان يتغير شيء جوهري في حياته.لهذا فان إعادة الاعتبار للانتخابات لا تبدأ بتحديد موعد جديد، بل بإعادة بناء معناها السياسي، وهذا يتطلب توافقا وطنيا واسعا، وقواعد انتخابية مستقرة لا تُعدَّل حسب الحاجة او الطلب، وفوق ذلك ضمانات حقيقية للمنافسة، وربط الإصلاح السياسي بالمساءلة الشعبية، لا بالرضا الدولي، فالشرعية التي تحتاجها فلسطين ليست شهادة اعتماد من الخارج، بل تفويض حقيقي من الداخل، وما يحتاجه النظام السياسي ليس انتخابات جديدة فحسب، بل استعادة ثقة المواطن بأن صوته قادر على إحداث فرق، وان مشاركته يمكن ان تفتح الطريق أمام تغيير حقيقي في بنية النظام السياسي وفي طريقة إدارة الشأن العام.
أحمد المالكي: رئيس مركز شؤون دولية باللغة العربية للدراسات السياسية والإعلامية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)