لم يعد التلويح الأميركي بالحرب على إيران يقتصر على الملف النووي أو منع طهران من امتلاك السلاح النووي، بل بدأ يأخذ منحى أكثر وضوحاً وخطورة، عنوانه النفط وثروات الدولة الإيرانية، بعدما لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإمكانية بقاء الولايات المتحدة في إيران والسيطرة على نفطها، مستحضراً ما وصفه بتجربة بلاده في فنزويلا، وهذا التصريح لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد ورقة تفاوضية عابرة، لأنه يكشف أن الحسابات الأميركية تتجاوز فكرة إنهاء الخطر النووي إلى التفكير في كلفة الحرب ومَن سيدفعها، بل وربما تحويل الموارد الإيرانية نفسها إلى مصدر لتمويل الوجود العسكري الأميركي.
فحين يتحدث الرئيس الأميركي عن البقاء والسيطرة على النفط، فإن السؤال لم يعد فقط: كيف تنتهي الحرب؟ بل أيضاً: ماذا تريد واشنطن من الحرب؟ وإذا كانت الولايات المتحدة ترى أن عائدات النفط يمكن أن تغطي تكاليف الحرب مرات عديدة، فإن ذلك يعني أن النفط لم يعد مجرد ملف اقتصادي في الحسابات الأميركية، وإنما أصبح جزءاً من المعادلة السياسية والعسكرية، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريو طويل الأمد لا تنتهي فيه الحرب بانتهاء العمليات العسكرية، بل تبدأ بعد ذلك معركة السيطرة على الموارد والنفوذ وشروط التسوية.
والأكثر دلالة أن ترامب يتحدث في الوقت نفسه عن أن الحرب قد تنتهي قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية في نوفمبر أو بعدها مباشرة، وهنا تتداخل الحسابات الخارجية مع الحسابات الداخلية الأميركية؛ فالحرب ليست منفصلة عن الانتخابات، وصورة الرئيس أمام الناخب الأميركي، وكلفة الحرب، وأسعار الطاقة، والقدرة على تقديم أي نتيجة باعتبارها انتصاراً سياسياً، ولذلك فإن الحديث عن نهاية الحرب في هذا التوقيت لا يعني بالضرورة نهاية الصراع، فقد تكون واشنطن تبحث عن صيغة توقف العمليات الكبرى، لكنها تبقي أوراق الضغط والنفوذ والسيطرة الاقتصادية مفتوحة. أخبار ذات صلة من النُدرة إلى الغلاء.. الفحم يضيف عِبئًا جديدًا على غزة لقدرة البقاء ترامب يكشف موعد نهاية الحرب مع إيران.. ماذا عن قدراتها الصاروخية؟
وفي المقابل، فإن إعلان ترامب أن إيران تسعى بشدة إلى الاتفاق، وأن طهران تتصل باستمرار من أجل التفاوض، يعكس محاولة أميركية لإظهار نفسها في موقع صاحب الشروط، لا الطرف الذي يبحث عن مخرج، فترامب يقول بوضوح إنه لن يقبل اتفاقاً لا يحقق شروط واشنطن، ما يعني أن أي مفاوضات مقبلة لن تكون حول النووي وحده، بل قد تمتد إلى مستقبل النفوذ الإيراني، والقدرات العسكرية، وأمن الملاحة، وربما ترتيبات المنطقة بأكملها.
وفي قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز، أحد أخطر مفاتيح الصراع، لأن المضيق ليس مجرد ممر مائي، بل شريان رئيسي للطاقة العالمية، وأي اضطراب واسع فيه يمكن أن ينعكس سريعاً على أسواق النفط والاقتصاد العالمي. ومن هنا تأتي أهمية الاجتماع الإقليمي الذي دعت إليه سلطنة عمان، قبل أن يعلن وزير الخارجية العماني تأجيله، في وقت كانت فيه المقترحات المطروحة تتعلق بتنظيم حركة الملاحة في المضيق.
واللافت أن إيران، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن مسؤول إيراني، تريد ترتيباً يسمح لها بتحصيل رسوم من السفن العابرة للمضيق، وهو مقترح تعارضه مسقط ، وإذا صح هذا التوجه، فإنه يكشف أن طهران لا تنظر إلى المضيق باعتباره مجرد قضية ملاحة، بل باعتباره ورقة سياسية واقتصادية يمكن استخدامها في أي ترتيبات إقليمية مقبلة، وفي المقابل، فإن رفض عمان لهذا الطرح يعكس حساسية دول الخليج من تحويل واحد من أهم الممرات البحرية في العالم إلى أداة للصراع أو مصدر دخل مرتبط بموازين القوة العسكرية.
التعليقات (0)