هناك صمت لا يشبه سواه، صمت الزنازين الموحشة.. ليس سكون الليل، ولا هدوء الانتظار، بل صمت ثقيل محشور بين جدران باردة، تقطعه أحيانا كثيرة حركة مفتاح يدور في قفل، أو وقع حذاء عسكري على أرض إسمنتية، أو أنين يخرج خافتا من جسد أنهكه الألم ولم يعد يملك رفاهية الصراخ.
خلف هذه الجدران، يعيش آلاف الأسرى الفلسطينيين في ظروف تجعل الزمن نفسه يبدو مختلفا؛ أيام تتشابه، وليال بلا نجوم، وساعات لا يعرف فيها المعتقل إن كان العالم في الخارج ما زال يتذكره. لكن الأسر ليس رقمًا في بيان، ولا إحصائية في تقرير حقوقي. وراء كل رقم جسد، ووجه، وأم تنتظر، وطفل يكبر بعيدًا عن أبيه، وبيت اعتاد أن يترك مكانًا شاغرًا على مائدة الطعام.
في السجن، لا يكون الجوع مجرد فراغ في المعدة، بل يتحول إلى إحساس دائم يرافق المعتقل في نومه ويقظته، كما تتحول الإصابة القديمة إلى ألم لا يغادر الجسد.
يروي أسرى محررون فقدانهم أوزانا كبيرة خلال أشهر الاعتقال، ويتحدث آخرون عن أمراض وجروح بقيت بلا علاج، وعن آلام مزمنة تحولت مع الوقت إلى جزء من حياتهم اليومية، وعن ظروف صحية قاسية داخل زنازين مكتظة.
وحين تأتي الشهادة من جهة إسرائيلية حقوقية، لا فلسطينية فقط، وتصف ظروف الاحتجاز بأنها تقترب من مفهوم "معسكرات التعذيب"، وحين توثق جهات إسرائيلية رسمية حالات لمعتقلين بدت عليهم علامات الهزال وآثار الضرب والإهمال، فإن المسألة تتجاوز حدود الرواية المتقابلة.
الجسد هنا يصبح وثيقة؛ الهزال وثيقة، والندبة وثيقة، والجوع وثيقة، والمرض الذي ترك بلا علاج وثيقة أخرى.
التعليقات (0)