لا تتوقف البشرية عن التنبؤ باحتمال نهايتها، ففي كل حضارة عبر التاريخ تقريبًا، توجد نبوءة عن كارثة مدمرة أو طوفان سيقود إلى الفناء. واللافت اليوم هو عودة الحديث عن فناء الجنس البشري بقوة، وهذه المرة بسبب الذكاء الاصطناعي الذي يحذر الخبراء من قدرته على التسبب في أوبئة قاتلة أو حروب مدمرة.
حذر بول كريستيانو، المسؤول السابق في 'أوبن إيه آي'، من خطر حقيقي يتمثل في فقدان كارثي وغير قابل للعكس للسيطرة على الأنظمة الذكية في المستقبل القريب. وجاءت هذه التصريحات بالتزامن مع تحذيرات من شركة 'أنثروبيك' تشير إلى وجود احتمال بنسبة 10% لقضاء التكنولوجيا على البشرية خلال عقد واحد فقط.
تاريخياً، احتاج الإنسان القديم لتحميل مسببات الفناء لقوى تفوق مقدراته، فكان انتقام الآلهة في الأساطير هو المحرك الأول. ومع تقدم الوعي البشري، تحولت هذه المخاوف نحو الأوبئة ثم القنبلة الذرية في القرن الماضي، وصولاً إلى التغير المناخي والذكاء الاصطناعي الذي يجمع اليوم كافة التهديدات تحت مظلته.
في حضارات بلاد الرافدين، كان الماء هو مصدر الفناء الأول كما ورد في أسطورة 'أترهاسيس' البابلية التي تعود لعام 1635 قبل الميلاد. تروي الأسطورة قرار الآلهة إغراق البشرية بسبب ضجيجهم وتكاثرهم، وهي قصة تتشابه بنيوياً مع ملحمة جلجامش ورواية طوفان نوح التي ركزت على العقاب الإلهي للفساد.
لم تقتصر رؤى النهاية على الشرق الأدنى، بل امتدت لثقافات آسيا التي نظرت للعالم كدورات من الموت والتجدد. ففي الأساطير الإسكندنافية، تقود معركة 'راجناروك' الكبرى إلى ظلام العالم ونهايته، حيث لا ينجو سوى ذكر وأنثى لإعادة بناء الحياة من جديد، مما يعكس رغبة إنسانية في التطهير عبر الكارثة.
تجسد الأديان الإبراهيمية هذه النهايات باعتبارها يوم الحساب والقصاص، حيث ينتهي توازن العالم المادي لتبدأ مرحلة العدل المطلق. ومن المفارقات الكبرى أن نهاية العالم، رغم رعبها، تمثل في الوجدان البشري لحظة انتصار المظلوم على الظالم، مما يجعل التنبؤ بها نوعاً من انتظار العدالة المتأخرة.
التعليقات (0)