أصدر مركز "شمس" ورقة موقف بمناسبة اليوم الدولي للديمقراطية، أكد فيها أن تحقيق الديمقراطية يتطلب وجود مؤسسات دستورية منتخبة، وأن إجراء انتخابات حقيقية وفاعلة لا يمكن أن يتحقق دون ضمان الحريات العامة والمشاركة الفاعلة للنساء والشباب.
وشدد المركز في ورقة الموقف على الترابط بين الديمقراطية والمؤسسات الدستورية المنتخبة، وبين الانتخابات والحريات العامة والمشاركة السياسية، باعتبارها ركائز أساسية لأي عملية ديمقراطية حقيقية.
ويحمل مركز "شمس" صفة العضو الاستشاري لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، والعضو المراقب لدى اللجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان التابعة لجامعة الدول العربية.
وفيما يلي الورقة التي أصدرها مركز شمس:
الديمقراطية حق للشعب وليست مجرد إجراء انتخابي تأتي هذه الورقة، الصادرة عن مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية "شمس" بمناسبة اليوم الدولي للديمقراطية الذي يصادف الخامس عشر من أيلول من كل عام، لتسليط الضوء على واقع الديمقراطية والمؤسسات الدستورية في فلسطين، في ظل غياب المجلس التشريعي وتعطل الاستحقاقات الديمقراطية لسنوات طويلة. كما تتناول الانتخابات التشريعية الفلسطينية لعام 2026 بوصفها مدخلاً أساسياً لتجديد الشرعية، واستعادة التوازن بين السلطات، وتعزيز سيادة القانون والمساءلة، شريطة أن تكون انتخابات حرة ونزيهة وشاملة، تضمن مشاركة حقيقية ومؤثرة للنساء والشباب وجميع فئات المجتمع، وتحترم إرادة المواطنين وحقهم في اختيار ممثليهم وصناعة مستقبلهم السياسي. ويشكل اليوم الدولي للديمقراطية مناسبة عالمية لمراجعة واقع النظم السياسية ومدى احترامها لحقوق الإنسان وسيادة القانون والمشاركة الشعبية في إدارة الشأن العام. ويكتسب هذا اليوم أهمية خاصة في الحالة الفلسطينية، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه، وتعطّل الحياة الدستورية، وغياب المجلس التشريعي المنتخب، وضعف الرقابة والمساءلة، واتساع الفجوة بين المواطنين ومؤسسات الحكم، الأمر الذي يستدعي إعادة بناء النظام السياسي على أساس الإرادة الشعبية والشرعية الدستورية. فالديمقراطية ليست شعاراً سياسياً، ولا إجراءً موسمياً يقتصر على وضع أوراق الاقتراع في الصناديق، وإنما هي منظومة متكاملة تقوم على دورية الانتخابات وحريتها ونزاهتها، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وخضوع السلطة التنفيذية للمساءلة، وحماية الحقوق والحريات العامة، وضمان التعددية السياسية والإعلامية، وتمكين المواطنين من المشاركة في صنع القرارات التي تمس حاضرهم ومستقبلهم. ولا تستقيم الديمقراطية في ظل احتكار القرار، أو تغييب المؤسسات الدستورية، أو إدارة الشأن العام بعيداً عن الرقابة الشعبية والمجتمعية.
الاحتلال الإسرائيلي اعتداء على حق الشعب في تقرير مصيره يمثل استمرار الاحتلال الإسرائيلي العائق الأساسي أمام تمتع الشعب الفلسطيني بحقوقه السياسية والمدنية، وفي مقدمتها حقه غير القابل للتصرف في تقرير مصيره. فالاحتلال، بطبيعته القائمة على السيطرة العسكرية وفرض الإرادة بالقوة، يحرم الفلسطينيين من ممارسة سيادتهم على أرضهم ومواردهم، ومن إدارة شؤونهم الوطنية بحرية واستقلال، ويقوّض قدرتهم على بناء مؤسسات موحدة تعبّر عن إرادتهم ومصالحهم. وتتجسد انتهاكات الاحتلال للحقوق السياسية في مصادرة الأراضي، والتوسع الاستيطاني، والتهجير القسري، والاعتقالات، والحصار، وتقييد حرية الحركة والتجمع والتنظيم والتعبير، إلى جانب تقطيع التواصل الجغرافي بين الضفة الغربية، بما فيها القدس، وقطاع غزة. وتشكل هذه السياسات منظومة متكاملة تهدف إلى تفتيت الشعب والأرض، وإضعاف الحياة السياسية، ومنع الفلسطينيين من ممارسة حقوقهم الجماعية والفردية بحرية. ولا يستطيع الشعب الفلسطيني تقرير مصيره بصورة فعلية ما دام الاحتلال يتحكم في أرضه وحدوده وموارده وحركة أفراده، ويفرض عليه واقعاً سياسياً وقانونياً بالقوة. ومن ثم، فإن إنهاء الاحتلال ليس مطلباً سياسياً فحسب، بل شرط قانوني وحقوقي لتمكين الفلسطينيين من ممارسة سيادتهم، وتحديد مستقبلهم، وبناء دولتهم المستقلة، والتمتع الكامل بحقوقهم وحرياتهم دون تدخل أو إكراه. وشكّل الاحتلال الإسرائيلي، على الدوام، عائقاً مباشراً أمام إجراء الانتخابات الفلسطينية بحرية وانتظام، من خلال تدخله في العملية السياسية، واعتقاله نواب المجلس التشريعي والمرشحين ورؤساء وأعضاء الهيئات المحلية، ومنعه الأنشطة والاجتماعات الانتخابية، ولا سيما في مدينة القدس. كما تؤدي الحواجز والإغلاقات العسكرية والقيود المفروضة على حرية الحركة والتنقل إلى عرقلة وصول الناخبين والمرشحين والمراقبين والصحفيين، وتقويض وحدة العملية الانتخابية وشمولها، والتدخل القسري في حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم بحرية. غياب المجلس التشريعي واختلال النظام الدستوري أدى غياب مجلس تشريعي منتخب وفاعل طوال سنوات طويلة إلى اختلال عميق في البناء الدستوري الفلسطيني، وإضعاف مبدأ الفصل بين السلطات، وحرمان المجتمع من المؤسسة الأصلية المختصة بالتشريع والرقابة على أداء الحكومة وإقرار الموازنة العامة ومساءلة المسؤولين. كما أفضى هذا الغياب إلى تراجع أدوات الرقابة السياسية والشعبية، وإضعاف قدرة المواطنين على التأثير في السياسات والتشريعات التي تنظم حياتهم وتمس حقوقهم. وتقتضي معالجة هذا الاختلال إعادة الاعتبار إلى القانون الأساسي الفلسطيني باعتباره المرجعية الناظمة لعمل السلطات العامة والضامن للحقوق والحريات، وإنهاء أشكال التداخل بينها، وتعزيز استقلال القضاء والمؤسسات الرقابية، وضمان خضوع السلطة التنفيذية للمساءلة. فالمؤسسات الدستورية لا تستمد مشروعيتها من استمرارها بحكم الأمر الواقع أو من القرارات الإدارية، وإنما من احترام القانون وخضوعها للرقابة والتجديد الدوري للتفويض الشعبي من خلال انتخابات حرة ونزيهة. ولم يعد انتخاب مجلس تشريعي جديد مجرد استحقاق سياسي قابلاً للتأجيل، بل أصبح ضرورة دستورية ووطنية لحماية النظام السياسي من مزيد من التآكل، وإعادة التوازن بين السلطات، واستعادة الرقابة على التشريع والإنفاق العام وأداء الحكومة. كما يشكل وجود مجلس منتخب شرطاً أساسياً لضمان مؤسسة تمثيلية تعبّر عن إرادة المواطنين، وتحمي حقوقهم، وتنقل أولوياتهم إلى دوائر صنع القرار، وتمثل مختلف فئات المجتمع دون إقصاء أو تمييز. الانتخابات التشريعية لعام 2026 فرصة لتجديد الشرعية تمثل الدعوة إلى إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في الثامن والعشرين من تشرين الثاني 2026 فرصة وطنية لإعادة بناء الشرعية الدستورية، وتجديد مؤسسات النظام السياسي، واستعادة ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة، وإنهاء مرحلة استثنائية طال أمدها وألحقت أضراراً بالغة بالحياة السياسية والدستورية. كما يشكل هذا الاستحقاق مدخلاً ضرورياً لإعادة الاعتبار إلى الإرادة الشعبية بوصفها المصدر الأساسي للسلطة والشرعية. ولا تقاس القيمة الحقيقية لهذه الانتخابات بمجرد إجرائها في موعدها أو استكمال إجراءاتها الشكلية، بل بمدى حريتها ونزاهتها وشمولها، وتكافؤ الفرص بين القوائم والمرشحين، واحترام نتائجها وتمكين المجلس المنتخب من ممارسة صلاحياته الدستورية كاملة. ولا يمكن القبول بانتخابات تستثني القدس، أو تعزل قطاع غزة، أو تحول دون مشاركة أي جزء من أبناء الشعب الفلسطيني، لأن وحدة العملية الانتخابية تمثل تعبيراً قانونياً وسياسياً عن وحدة الأرض والشعب والنظام السياسي. وتقع على المجتمع الدولي، ولا سيما الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف، مسؤولية ممارسة ضغط جاد وفاعل على سلطات الاحتلال لمنع عرقلة الانتخابات، وضمان مشاركة المواطنين في القدس ترشحاً واقتراعاً ودعاية، وتأمين حرية حركة المرشحين والمراقبين والصحفيين، ووقف الاعتقالات والاستدعاءات والتدخلات التي قد تؤثر في حرية الناخبين وإرادتهم. كما تقتضي هذه المسؤولية رفض أي محاولة إسرائيلية لتوظيف السيطرة العسكرية على الأرض في تعطيل الاستحقاق الانتخابي الفلسطيني، أو الانتقاص من شموليته، أو المساس بوحدة التمثيل السياسي للشعب الفلسطيني.
التعليقات (0)