في غرب جنين، تبدو زبوبا كقرية عالقة بين طريق مغلق وأرض تتقلص يومًا بعد يوم. لا يحتاج أهلها إلى حاجز عسكري دائم كي يشعروا بأن القرية محاصرة. يكفي أن تُغلق مداخلها، وتُلقى السواتر الترابية على طرقها، وتُقتلع أشجارها من الأرض، حتى يصبح الذهاب إلى المدرسة أو الوصول إلى المنزل أو بلوغ الحقل رحلة محفوفة بالعراقيل. زبوبا تقع إلى الغرب من مدينة جنين، قرب جدار الفصل، وهو موقع جعلها عرضة لإغلاقات متكررة واقتحامات واعتداءات على أراضيها الزراعية. تقول مواطنة من القرية إن أشجار الزيتون، التي تمثل مصدر الرزق الأول لأهالي زبوبا، لم تسلم من الاعتداءات، موضحة أن هناك من اقتُلعت من أرضه 300 شجرة، وآخرين اقتُلعت لهم 400 شجرة. وتضيف: «يحاصرون البلدة ويقتحمونها علينا في أي وقت. يطرقون على الأبواب ويعتقلون أبناءنا. أبناؤنا الآن في البيوت محاصرون؛ لا يريدون الخروج ولا يستطيعون، ونخاف عليهم أيضًا من الاعتقال». وتتابع: «يغلقون أبواب البلدة في الأوقات المهمة جدًا، مثل شهر رمضان والأعياد. وهكذا نعيش نحن منذ بناء جدار الفصل العنصري».
وبحسب رئيس مجلس قروي زبوبا، يتكرر إغلاق مداخل القرية كل شهرين أو ثلاثة أشهر تقريبًا، ولا تُفتح إلا لأيام قليلة قبل أن تعود الإغلاقات من جديد. وخلال عام 2026 تكررت عمليات الإغلاق أكثر من 10 مرات. في إحدى هذه المرات، أغلقت قوات الاحتلال المداخل الرئيسية من جهتي رمانة وتعنك، إلى جانب الطرق الفرعية، فعُزلت القرية عن محيطها. لم يكن الطريق وحده هو الذي توقف. المدارس الثلاث في زبوبا وروضة الأطفال تعطلت، بعدما عجز المعلمون القادمون من خارج القرية عن الوصول إليها. وفي قرية صغيرة، يعني إغلاق الطريق أن الطفل قد يجد مدرسته أمامه، لكنه لا يستطيع الوصول إليها. وفي مايو/أيار 2026، لم تكتفِ القوات بإغلاق المدخل الرئيسي، بل استخدمت الجرافات والسواتر الترابية لإغلاق طرق داخلية في القرية، لتتعقد حركة السكان حتى داخل زبوبا نفسها. ثم جاءت الاقتحامات. في إحدى العمليات، داهمت القوات أكثر من 20 منزلًا، واستمرت العملية نحو 5 ساعات، وتخللتها أعمال تخريب. كما أُغلقت مداخل أحياء شمالية وغربية، ما أدى إلى عزل نحو 15 منزلًا عن بقية القرية. كان على سكان تلك المنازل أن يتعاملوا مع القرية كما لو أنها مقسمة إلى جزر صغيرة، يفصل بينها التراب والحجارة والحواجز. حتى طلاب الثانوية العامة لم يسلموا من أثر الإغلاق. فقد اضطر بعضهم إلى طلب المساعدة للوصول إلى قاعات الامتحانات. لكن أكثر الأماكن عزلة ربما كانت منطقة الوعر. هناك، يعيش نحو 16 منزلًا، وأغلق الطريق المؤدي إليها بالسواتر الترابية. صار الوصول إلى البيوت يتطلب سلوك طرق وعرة والسير على الأقدام، في مشهد يختصر ما يحدث في زبوبا: الطريق الذي يفترض أن يصل البيت بالعالم يتحول إلى جدار آخر.
في يوليو/تموز 2026، أفادت تقارير فلسطينية بأن عمليات التجريف الأخيرة طالت أكثر من 120 دونمًا من الأراضي الزراعية، واقتلعت نحو 1200 شجرة زيتون. كانت بعض الأشجار التي اقتُلعت قد عاشت أكثر من 50 أو 60 عامًا. أشجار سبقت كثيرًا من سكان القرية إلى هذه الأرض، وكبرت مع عائلاتها، وتحولت عبر العقود إلى مصدر للزيت والدخل والذاكرة. وفي ثلاثة مواقع شمال شرقي زبوبا، صدرت إخطارات تستهدف في مجموعها نحو 126 دونمًا، فيما حذر المجلس القروي من أن عمليات التدمير قد تمتد إلى نحو 500 دونم. الأرقام هنا لا تعني مجرد مساحة على الخريطة. فبعد عام 2023، فقد عدد من أبناء زبوبا أعمالهم داخل أراضي عام 1948، فاتجهوا إلى الزراعة باعتبارها مصدر الدخل الذي يمكن أن يبقى في أيديهم. لكن الأرض التي لجؤوا إليها أصبحت هي الأخرى مهددة. تتقلص مساحة القرية منذ عقود. فبحسب رئيس مجلس قروي زبوبا، كانت أراضي القرية تبلغ نحو 48 ألف دونم قبل عام 1948، بينما لا تتجاوز المساحة المتبقية اليوم نحو 1200 دونم. من 48 ألف دونم إلى 1200 فقط. وبين الرقمين تاريخ طويل من فقدان الأرض، حتى أصبحت المساحة التي بقيت للسكان أضيق من أن تحتمل مزيدًا من الاقتلاع. ومع ذلك، لم تتوقف الاقتحامات. في 9 سبتمبر/أيلول 2026، اقتحمت قوات الاحتلال زبوبا فجرًا، واعتقلت 5 فلسطينيين، بينهم طفل، وفق التقرير اليومي لدائرة شؤون المفاوضات الفلسطينية. وهكذا يدخل الاقتحام من الطريق، ثم يمتد إلى المنزل، ثم إلى الحقل. يغلقون المدخل، فيتعطل الوصول إلى المدرسة. تُغلق الطرق الداخلية، فتُعزل البيوت. تُقتلع أشجار الزيتون، فيضيع مصدر رزق. وتُداهم المنازل، فيصبح البيت نفسه مكانًا غير آمن.
التعليقات (0)