f 𝕏 W
حين يتوقف الزمن عند قذيفة.. قراءة في "مأساة في طيرة حيفا"

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 0 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

حين يتوقف الزمن عند قذيفة.. قراءة في "مأساة في طيرة حيفا"

الثّلاثاء 15 سبتمبر 2026 9:20 صباحًا - بتوقيت القدس

تتطلب قراءة رواية "مأساة في طيرة حيفا"، للروائي الدكتور محمود السلمان، الانتباه منذ البداية إلى التوتر بين تسميتها رواية وتعريفها الذاتي بوصفها شهادة وجدانية. فالنص يصرّح بأن غايته تتجه إلى التوثيق لا الحكي وحده، ولذلك يذكر الروائي الأسماء كما هي. هذه الإشارة مفتاح جمالي ومنهجي: يتحرك النص في منطقة وسطى بين الرواية والسيرة العائلية وشهادة الذاكرة والوثيقة الشفوية. فلا يصحّ قياسه بمقياس الرواية التخييلية الخالصة، كما لا يصح إعفاؤه من أسئلة البناء الفني بحجة طابعه التوثيقي. القراءة الأجدى هي التي تفحص كيف يحوّل الروائي واقعة عائلية مرتبطة بقصف واحتلال طيرة حيفا سنة 1948 إلى سردية عن الأرض، والاقتلاع، والذاكرة، والهوية.تنهض الرواية على مأساة محددة: قصف منزل عائلة أبي خليل، واستشهاد الأطفال خليل وعيسى ورومية، وإصابة الأم آمنة والابنة سميحة، ثم امتداد المأساة في طريق الهجرة القسرية إلى الأردن. غير أن الحادثة لا تبقى في حدودها العائلية؛ إذ يعيد السارد تركيبها بوصفها نموذجاً مكثفاً لتجربة فلسطينية أوسع: قتل المدنيين، والاقتلاع، وتحويل صاحب الأرض إلى غريب. بهذا المعنى تنقل الحكاية المأساة من الذاكرة الخاصة إلى الذاكرة العامة: أسماء الأبناء تحفظ الجريمة، والأعمار تحفظ لحظات الفقد، والجسد الناجي يحفظ أثر القصف.تقدَّم الأرض بوصفها امتداداً للذات، فيقول السارد عن الطيرة إنها "اسمي واسم أبي وجدّي"، وإنها "الطبقة الصخرية من جذري التي ليس بعدها شيء". هنا تنتقل الأرض من الجغرافيا إلى الأنساب واللغة والوجود. ويبلغ هذا المعنى ذروته في مشهد دخول البيت المسروق: "كم هو قاس أن تدخل بيتك المسروق غريباً، والسارق هو المقيم؟!" — جملة تعيد توزيع مفهومي الغربة والملكية، وتكشف انقلاباً أخلاقياً أنتجته القوة الغاشمة تحاول اللغة تصحيحه.تحتل الطفولة موقعاً مركزياً: الضحايا أطفال كانوا في لحظة لعب وفرح، تنقلب فجأة إلى مجزرة، "فالتهمت فرحتهم واغتالت أحلامهم". ولا ينتهي أثر الجريمة بانتهاء القصف؛ فالطفولة تستمر زمناً مجمداً، إذ "جمّد" الغريب أعمار الشهداء، فيما يحمل الناجي أعمارهم في وعيه، وتعيش العائلة بين زمن بيولوجي يتقدم وزمن حِداد متوقف.منذ رحلة السارد من عمّان إلى الجسر، يُبنى المكان المحتل فضاءً مغلقاً؛ فالقرية والمدينة والبحر والجبل أماكن مُعتقَلة، و"سجن يتسع للمدن والبحار والجبال". يرفض النص اختزال اللجوء إلى انتقال مكاني: فالتهجير تفكيك للبيت واللغة وتسلسل الأجيال وحق تسمية الأشياء، ويظل المكان حاضراً في المنفى عبر قصص الآباء واللهجة وتكرار الأسماء وبقايا الباب والحجارة. وتتبلور فلسفة الألم في صمت الأم، إذ يرفض النص تحويل "اختلاط الدمع بالدم" إلى مجاز منفصل عن الجسد؛ فهذه الرؤية ليست تشاؤماً مجرداً، بل فلسفة مقاومة تعيد الذاكرة فيها ترتيب المعنى.السرد ذاتي في مصدره — عائلة السارد وأمه وأبيه وإخوته ورحلته الأولى — لكنه جمعي في مآله؛ إذ تُقدَّم المأساة العائلية صورة من مأساة الاقتلاع الفلسطيني، وإن ظل الصوت المنظم لهذه الجمعية صوت السارد وحده. والخروبة هي الرمز المركزي: شجرة عائلية ومكانية، ودليل وشاهد على الجريمة، يصفها السارد بـالشاهد غير المحايد لأنها رأت الألم قبل الاستشهاد. وظيفتها ثلاثية: تثبيت الجذر، وحفظ الشهادة، وربط الطبيعة بالإنسان. والبيت رمز الانتماء المتجسد، وغال الباب بقية مادية تمنح الذاكرة نقطة تماس مع الماضي دون أن تعيد البيت نفسه. أما البحر والكرمل فيشاركان في الحِداد، إذ يتحول هدير البحر إلى نواح، فتتحول الجغرافيا إلى جماعة ذاكرة. وتحفظ القبور الانتماء لا الأجساد وحدها، إذ أبقت الشهداء "طيراويين"، بينما يتحول تكرار أسمائهم في الأبناء اللاحقين إلى مقاومة للنسيان.يعتمد النص بنية هجينة تجمع أدب الرحلة والاسترجاع العائلي والمشهد التوثيقي والتأمل الوجداني والوثيقة البصرية، فتتحول الجغرافيا محفزاً للذاكرة. ويتحرك السرد في دوائر تعود باستمرار إلى الخروبة والبيت والشهداء، بما يناسب طبيعة الذاكرة الصادمة التي تستعيد الحدث عبر تفاصيل متكررة. ويتولد الإيقاع من التوتر بين مقاطع بطيئة وصفية ومقاطع سريعة صادمة، كما في الانتقال المفاجئ من مشهد الحمّام والفطور إلى "انفجرت القذيفة". ويؤدي التكرار — الخروبة والبيت والقبور وأسماء الشهداء — وظيفة طقسية أقرب إلى مجلس العزاء منها إلى الاقتصاد السردي. وتُدمج في النص صور توثيقية للمكان والبيت والخروبة، فتنافس الصورةُ النصَّ على إنتاج الحقيقة، وإن كانت هذه التقنية تقرّب العمل أحياناً من الكتابة التوثيقية المصورة على حساب التدفق التخييلي. وهنا تظهر طبيعة النص الهجينة بوضوح: قوّته في الجمع بين المحسوس والمتخيل، ومصدر توتره في عدم استقرار جنسه الأدبي.تنتقل الطبيعة في النص من الخلفية إلى موقع الشخصية الشاهدة: التراب يبتسم، والبحر حزين، وأوراق الخروبة تأبى التفاعل مع الريح بعد رحيل العائلة، فتصبح ذاكرة مضادة للرواية الاستعمارية. ويتبادل جسد الإنسان وجسد الأرض المعنى: اقتلاع الإنسان جرح في الأرض، واحتلال الأرض إصابة في جسد الإنسان. وتظهر نكبة 1948 زمناً مستمراً في أجساد الأحياء — في جسد الأم، وقدمي سميحة، وخوف الأم من أعمار أبنائها الجدد — فتصبح الذاكرة بنية أسرية موروثة متواصلة، ويظهر السارد محمود نفسه، المولود بعد المأساة، حاملاً وعياً "بالغاً في الفقد" قبل أن يكون بالغاً في العمر.وحين يصل السارد إلى بقايا البيت والخروبة، ينفصل عن حاضر المكان ويرى البيت كما كان، فتعود المياه والأصوات والوجوه. هذه عودة تخييلية ووجدانية لا سياسية مكتملة، لكنها تقوم بما تعجز عنه السياسة: إعادة ترتيب المشهد بحيث يستعيد الموتى مكانهم، ويصبح الزمن قابلاً للتراجع ولو داخل الوعي.تنجح "مأساة في طيرة حيفا" في بناء سردية مقاومة لمحو المكان، عبر تحويل الذاكرة العائلية إلى بنية توثيقية وأدبية في آن واحد: الأرض أصل الهوية لا خلفية للأحداث، والشجرة شاهد لا عنصر طبيعي، والبيت صيغة للانتماء لا بناء مهدم، والاسم واللهجة والقبور أدوات لاستعادة التاريخ لا تفاصيل محلية. وتكمن قيمتها الأبرز في ربطها بين التاريخ الكبير ونسيج الحياة اليومية، إذ تسأل كيف يمكن للحدث أن يستمر بعد وقوعه.

حين يتوقف الزمن عند قذيفة.. قراءة في "مأساة في طيرة حيفا"

د. سعيد صبري مستشار اقتصادي ومالي دولي – عضو الهيئة الدولية للتحول والاقتصاد الرقمي – الأمانة العامة

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)