الثّلاثاء 15 سبتمبر 2026 9:21 صباحًا - بتوقيت القدس
يتكرر المشهد بصور مختلفة في قاعات القدس. تخفت الأضواء قليلاً، ويجلس مسنّ في الصف الأول مستنداً إلى عصاه، ويتجمع أطفال قرب المنصة، وينشغل بعض الشباب بهواتفهم، فيما تتابع عائلات ما يجري من المقاعد الخلفية. تبدو القاعة ممتلئة، لكن كل فئة تبقى داخل دائرتها، كأن أجيال المدينة اجتمعت تحت سقف واحد من دون أن تلتقي فعلاً.فهل يكفي أن نحضر الفعالية نفسها حتى نقول إن الثقافة جمعتنا؟ لا تكمن المشكلة في غياب الأنشطة الثقافية، بل في ضعف قدرتها على بناء علاقة بين الأجيال. ومن هنا تبدأ الحاجة إلى فهم الفجوة بين ما تقدمه المؤسسات وما يحتاج إليه الناس في حياتهم اليومية، والبحث عن ثقافة تحفظ الذاكرة وتفتح المجال أمام مشاركة جديدة.من اللقاء العام إلى الجزر المتباعدةتبدو خريطة المشاركة الثقافية في القدس اليوم أكثر تقسيماً، فيما تتراجع الأنشطة التي تجمع أهل الحارة والمدرسة والنادي حول تجربة واحدة. اتجهت البرامج تدريجياً نحو تخصيص كل نشاط لفئة عمرية أو اجتماعية محددة. صار الطفل يشارك في ورشة لا يعرف الأهل ما أنجزه فيها، ويحضر الشباب برنامجاً منفصلاً عن خبرة المسنين، وتلتقي النساء في نشاط قد ينتهي أثره عند باب القاعة.لا يمثل التخصص مشكلة في ذاته، فهو يساعد على فهم احتياجات كل فئة وتقديم ما يناسبها. لكنه يفقد قيمته المجتمعية حين تتحول الفئات إلى جزر متباعدة، ويصبح اجتماعها في تجربة واحدة استثناءً. فالثقافة تقوى بما تصنعه من روابط بين الناس.وتزداد هذه المسافة في القدس بسبب واقع المدينة نفسها. يزيد تباعد الأحياء والحواجز والجدار وصعوبة المواصلات من صعوبة اللقاء بينها، وتحد الضغوط الاقتصادية من قدرة العائلات على المشاركة، فيما تترك الحياة اليومية المرهقة وقتاً أقل للتواصل. لذلك لا يكفي أن ننتظر وصول الجمهور إلى مركز المدينة، بل ينبغي أن تصل الثقافة إلى الحارات والأحياء والبيوت، والمدارس والنوادي والمقاهي.ذاكرة الكبار ولغة الأجيال الجديدةيحمل مسنّو القدس ذاكرة تتجاوز ما تحفظه الكتب. فهم يعرفون أسماء الحارات وأصحاب المهن التي اختفت، وتفاصيل الأفراح والعادات والأغاني والتحولات التي بدّلت وجه المدينة. ومع ذلك، تتعامل برامج كثيرة معهم بوصفهم متلقين للرعاية والترفيه، لا شركاء قادرين على إنتاج المعرفة ونقلها.يحتاج هذا الواقع إلى الانتقال من تنظيم أنشطة للمسنين إلى بناء أنشطة معهم. يمكنهم رواية الحكايات وتوثيق الذاكرة الشفوية ونقل خبراتهم إلى الأطفال والشباب. وحين يروي مسنّ كيف تغير السوق أو الحي، ثم يحول شاب حكايته إلى تسجيل صوتي أو فيلم قصير، هنا تولد علاقة جديدة بين الذاكرة والأداة الحديثة.ويحتاج الأطفال إلى أكثر من مقعد في فعالية أعدّها الكبار. يحتاجون إلى مساحة يرسمون ويلعبون ويحكون ويمثلون فيها ما يرونه ويشعرون به. كما يحتاج الشباب إلى فرصة للتجريب وصناعة المبادرات، لا إلى الاكتفاء بدور الجمهور أو تنفيذ أفكار جاهزة.لا تشكل الشاشات خصماً للثقافة بالضرورة، بل يمكن أن تصبح وسيلة لتجديدها. تستطيع رسومات الأطفال وصور الشباب وأفلامهم أن تبني أرشيفاً بصرياً يروي القدس بعيون أجيالها الجديدة. تستمر الثقافة حين تنتقل إليهم، لكنها لا تبقى كما كانت، بل تتغير بلغتهم وأدواتهم وأسئلتهم.العائلة بوصفها مساحة ثقافيةتحفظ العائلة المقدسية جانباً واسعاً من ثقافة المدينة قبل أن يصل إلى الكتب والمسارح والمؤسسات. تنقل النساء والرجال، كل بحسب تجربته، الحكايات والعادات والمفردات وذاكرة الأحياء والمهن والاحتفالات. غير أن كثيراً من هذا الدور يبقى غير مرئي، ولا يُنظر إليه بوصفه عملاً ثقافياً.تستطيع العائلة أن تصل الطفل بجدته، والشاب بوالده، والبيت بالحي. لذلك لا يمكن للثقافة أن تجمع أجيال القدس إذا بقيت محصورة داخل قاعات المؤسسات. تبدأ الثقافة القريبة من الناس عندما تدخل البيت، وتصغي إلى تفاصيله، ثم تعيدها إلى المجتمع في صورة تجربة مشتركة.لماذا لا تجمعنا الفعاليات؟تكشف خريطة الحضور في كثيرٍ من الفعاليات عن تكرار الوجوه نفسها، فيما تظل أحياءٌ وفئاتٌ كاملةٌ بعيدةً عن المشهد. تُنظم أنشطةٌ مهمةٌ، لكنها تظهر في مواسم محددةٍ ثم تنقطع قبل أن تتحول إلى عادةٍ مجتمعيةٍ. كما تحد طبيعة بعض الأماكن من مشاركة المسنين وذوي الإعاقة.وتُبنى بعض البرامج للفئات المستهدفة بدل إشراكها في تحديد ما تحتاج إليه، ثم يُقاس النجاح بعدد المقاعد الممتلئة والصور المنشورة، لا بتنوع المشاركين والأثر الذي بقي بعد انتهاء النشاط. ويضاعف ضعف التنسيق بين المدارس والمراكز الثقافية والجمعيات والأندية ولجان الأحياء ورواد المقاهي هذا التشتت، فتتكرر الأنشطة في مكانٍ وتغيب عن مكانٍ آخر.تبدأ استعادة الدور الجامع للثقافة من برامج يشارك الناس في تصميمها. يمكن تنظيم لقاءات يروي فيها المسنون حكاياتهم للأطفال، وورش حول الذاكرة والحرف والطعام، ومشاريع شبابية تحول هذه الخبرات إلى مواد رقمية، وأيام ثقافية عائلية تنتقل إلى الأحياء. ويحتاج ذلك إلى موعد ثابت يراكم العلاقة، وشراكة بين المؤسسات القريبة من الناس، وقياس النجاح بما ينشأ بين المشاركين من روابط.الثقافة علاقة وليست مجرد فعاليةتبقى الثقافة في القدس قادرة على جمعنا، لكن ذلك لا يتحقق بمجرد وجودنا في قاعة واحدة. تجمعنا حين يستمع الصغير إلى الكبير، ويمنح الكبير مساحة للصوت الجديد، وتتحول الذاكرة إلى حوار حي بين الناس والمكان. عندها تصبح الثقافة علاقة تستمر، لا فعالية تنتهي.
الثقافة بين أجيال القدس: هل ما زالت تجمعنا؟
د. سعيد صبري مستشار اقتصادي ومالي دولي – عضو الهيئة الدولية للتحول والاقتصاد الرقمي – الأمانة العامة
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)