f 𝕏 W
باسم خندقجي.. بين فكرٍ جاب العالم وبوحٍ لم تتّسع له سوى بطانية

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 0 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

باسم خندقجي.. بين فكرٍ جاب العالم وبوحٍ لم تتّسع له سوى بطانية

الثّلاثاء 15 سبتمبر 2026 9:21 صباحًا - بتوقيت القدس

لكل منا ملاذه، تلك المساحة الخاصة التي يعود فيها إلى نفسه بعيداً عن عيون الآخرين وأحكامهم. أما الأسرى فيصنعون ملاذهم من القليل المتاح لهم وسط الظروف القاسية التي لا تمنحهم رفاهية الاختيار لمساحات خاصة يختارون فيها أن يخاطبوا انفسهم ويعبروا عن دواخلهم لاستعادة توازنهم ضمن حالة الضغط والتنكيل والحرمان المتواصل.في مقابلته ضمن بودكاست تقارب، تحدث الروائي والأسير المحرر المبعد باسم خندقجي عن تلك البطانية التي كانت له ذلك الملاذ، مساحته الاكثر خصوصية، ليستريح قليلاً من صورة الأسير الصلب التي كان عليه أن يحملها طوال الوقت مخاطبا ذاته ومعبرا عن دواخله.تحت البطانية، لم يكن باسم الروائي الذي جاب فكره العالم، ولا الأسير الذي يُفترض أن يتماسك ويسند رفاقه، ولا المناضل المحكوم بقالب البطولة الدائمة. كان ابناً يشتاق إلى والده، وإنساناً يريد أن يعترف بجوعه وتعبه، وأن يترك لعواطفه المكبوتة فسحةً قصيرة تتنفس فيها.كان يغطي رأسه ويحدث والده الراحل، ويخبره بأنه جائع، ثم يخرج إلى الأسرى ليقول لهم: لا تجعلوا الجوع يسيطر عليكم. وتكشف هذه المفارقة مقدار العبء الذي حمله؛ ففي الداخل إنسان أنهكه الجوع والحرمان والفقدان، وفي الخارج أسير يستحضر الدور المطلوب منه، فيخفي ضعفه والكثير منه كي يحمي الآخرين من الانهيار.بين باسم الذي كان يعترف تحت البطانية بجوعه وانكساره، وباسم الذي يخرج منها ليشدّ من أزر رفاقه، تراكمت غصّة ظهرت بوضوح في المقابلة. أبكت من استمعوا إليه، فيما ظل هو يقاوم دمعته؛ كأن البوح خرج من تحت البطانية، بينما بقي البكاء عالقاً هناك. ربما لأن الأسير يظل، حتى بعد تحرره، مطالباً بأن يحرس صورته الصلبة أمام الناس، ولا سيما بعد إبادة جعلت كثيرين يترددون في الحديث عن آلامهم الشخصية أمام هول الألم العام.اختار باسم تحت البطانية زمناً ومكاناً من خياله. كان يتصور نفسه في نابلس، عند قبر والده، وبرفقته باسم الصغير، ابن شقيقه، يحملان الفل الذي كان أبوه يحبه، وحين تحرر حرم حتى من هذا الحق فقد خرج مبعداً، بعيدا عن قبر أبيه وأحضان والدته الصابرة التي منعها الاحتلال من مجرد السفر إليه معاقبينه بوالدته وبحنينه إليها.هذه الوالدة أم الأسير وأخت الشهيد التي عاشت سنوات طويلة من المرض والوجع والانتظار، لم يكن ما مرت به، ولا ما مر به ابنها حائلا دون أن يمنح بعضهم نفسه، عبر مواقع التواصل حق استباحتها بالاساءة والسباب والتهجم، بسبب موقف عبر عنه باسم أو رأي كتبه. ولا أتحدث هنا عن الاختلاف الطبيعي أو حق الناس بالنقد، بل عن عائلة وجدت نفسها مطالبة بأن تدفع إلى جانب عذابات الأسر ثمن الموقف والكلمة.لقد توقف عمر باسم عند شاب في الحادية والعشرين، ثم عاد إلى الحياة رجلاً في الثالثة والأربعين. لذلك يعيش اليوم بنضج الرجل الذي أصبحه، وبفضول الشاب الذي ظل ينتظر داخله. فثمة مساحة من الخيال بناها طوال سنواته، ويحاول الآن أن يلمسها بيديه ويختبرها في الواقع.حتى رشة الملح على الطعام ليست أمراً عادياً لمن ظل سنوات يأكل ما يُفرض عليه، أن يختار مذاق طعامه يعني أن يستعيد جزءاً صغيراً من نفسه؛ أن يتذوق الحياة كما يحبها، لا كما يقررها السجّان، ولا كما يريدها الآخرون له. ومن حقه أن يعيشها بلا قوالب ولا تابوهات ولا محاكمات جاهزة؛ أن يقترب ويبتعد، يفرح ويتعب، يضحك ويبكي، وأن يكتشف ما حُرم منه من دون أن يقدم تبريراً في كل مرة.في أول مرة صعد فيها إلى الطائرة، وما إن جلس على المقعد حتى شعر كأن القيود عادت إلى يديه، وحضرت "البوسطة" بكل ثقلها لتحتل حيز تفكيره، وهو الذي كتب قديماً نصاً بعنوان "على هدير البوسطة"، مستحضراً فيروز وبوسطتها التي كانت تنقل العشاق بين القرى، أمام بوسطة أخرى يعرفها الأسرى؛ ضيقة، حديدية، ثقيلة الرائحة والزمن. مفارقة قاسية بين فيروز التي غنّت على هدير البوسطة للحنين والطريق، وباسم الذي كتب على هديرها عن القيد والألم. وحتى حين حملته الطائرة حراً، بقي شيء منه عالقاً في تلك البوسطة، حيث رفاق دربه الذين تركوا بظروف قاسية لا تحتمل.حين فاز باسم بالجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر"، زرت منزل عائلته لأشاركهم الفرح المقتنص وأطمئن على والدته الصابرة. يومها، ومن شدة ما بدا الإنجاز شبيهاً بالحرية، سأل أطفال العائلة: هل خرج باسم من السجن؟كان السؤال بريئاً، لكنه برأيي أصاب المعنى. فالرواية خرجت نيابةً عنه، وعبرت الحدود التي أوقفت جسده ولم توقف فكره. كانت كأنها نطفة محررة حملت اسمه وأدبه إلى الخارج، وبشّرت بحرية تأخرت طويلاً.تحدثنا في تلك الزيارة عن أول رواية قرأها باسم وهو في العاشرة، "نهاية رجل شجاع" لحنا مينه، وعن النهايات التي قد تصبح بدايات وإشراقات جديدة. وها هو باسم يبدأ من جديد، ولكن ولادته الثانية جاءت من رحم العدوان على غزة ولادة شديدة العسر، إذ خرج إلى الحرية محروماً من وطنه وفي ظل حالة ألم ودمار لم يتركا لفرحته أن تكتمل.قد أختلف معه في بعض التفرعات، لكنني لا أختلف على أن باسم خليط إنساني وثقافي ووطني نعتز به؛ مثقف صنع من عزلته نافذة، ومن السجن مساحةً للكتابة، ومن وجعه أسئلةً وصلت إلى العالم. كما أن فعله الفدائي، وفق ما رواه، تشكّل في سياق ما تركه استهداف الطفلة إيمان حجو من أثر فيه. ويبقى السؤال: بعد كل هذا الدم الذي لم يتوقف، هل يعتقد الاحتلال حقاً أن الأجيال المقبلة ستنسى؟خرج باسم وهو يحمل رفاقاً ما زالوا ينتظرون الحرية، ويحمل وليد دقة وأسئلته المؤجلة عن ميلاد وسناء، وكثيراً من المسكوت عنه في السجون ونصف الكأس الفارغ الذي نحاول جميعا تجنبه. ويحمل أباً لم يودّعه وأماً لم يعانقها بعد ومدينة لم يعد إليها. لكنه يحمل نفسه أيضاً، وهذه المرة عليه أن يمنحها حقها من الحياة.لقد آن لباسم أن يرفع البطانية من فوق رأسه من دون أن يفقد المساحة التي وفرتها له. وأن يقول ما يشاء، ويعيش كما يشاء، ويترك لدمعته أن تسقط إذا أرادت. فبعد أكثر من عشرين عاماً من مصادرة عمره، لا يحق لأحد أن يفرض عليه شكلاً آخر من الأسر. وعلى المجتمع أن يمنحه وغيره من الأسرى المحررين حقهم في ممارسة انسانيتهم، ومساندتهم للتحرر من القوالب التي قد تتحول من حيث لا نقصد إلى سجن آخر، فالحرية لا تكتمل بفتح باب السجن بل حين يخرج الأسير من القوالب التي تنتظره خارجه ايضا، وحين ينزل عن جدار الرمز ليحاول أن يعود إلى الحياة.حياة يستحقها شعبنا بعد كل هذا الألم، ففي اليوم نفسه الذي أخرج فيه باسم حكايته من تحت البطانية إلى فضاء البودكاست، استقبل شقيقه يوسف مولوده ومنحه اسم والده "صالح"، وبين باسم الذي خرج مثقلاً بما مضى، وصالح الذي جاء محمولاً بالأمل، يبقى حق الأجيال القادمة ألّا ترث القيود، وأن تكبر في وطن لا يحتاج فيه الإنسان إلى بطانية للبوح بما في داخله، ولا يملك الاحتلال فيه أن يسرق عمره وأحلامه.

باسم خندقجي.. بين فكرٍ جاب العالم وبوحٍ لم تتّسع له سوى بطانية

د. سعيد صبري مستشار اقتصادي ومالي دولي – عضو الهيئة الدولية للتحول والاقتصاد الرقمي – الأمانة العامة

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)