f 𝕏 W
من الامتياز إلى الشراكة... رؤية الهند لمجموعة بريكس ولماذا ينبغي لفلسطين أن توليها الاهتمام

جريدة القدس

سياسة منذ 2 سا 0 9 د قراءة
زيارة المصدر ←

من الامتياز إلى الشراكة... رؤية الهند لمجموعة بريكس ولماذا ينبغي لفلسطين أن توليها الاهتمام

الثّلاثاء 15 سبتمبر 2026 9:17 صباحًا - بتوقيت القدس

عندما اجتمع القادة في نيودلهي هذا الأسبوع للمشاركة في القمة الثامنة عشرة لمجموعة بريكس، كانوا يمثلون دولاً تقع في صميم العديد من القوى التي تعيد تشكيل العالم، بما في ذلك تحوّل مركز الثقل الاقتصادي، وظهور مراكز جديدة للقوة التكنولوجية، وتغيّر أنماط التجارة، وتحول مركز الجاذبية بشأن الأطراف التي تتولى صياغة قواعد النظام الدولي.ولهذا فإنه من المغري قراءة بريكس ببساطة باعتبارها فصلاً آخر من فصول التنافس الجيوسياسي: مجموعة آخذة في التوسع، ونفوذ اقتصادي متزايد، وتحدٍ لنظام لطالما هيمنت عليه قوى قائمة. إن التمعّن في رئاسة الهند لمجموعة بريكس في عام 2026 يقدم منظوراً أكثر دلالة. فقد تكمن أهميتها الأعمق ليس في استبدال مركز قوة بآخر وإنما في المساعدة على إيجاد نظام دولي تُمارس فيه القوة بطريقة مختلفة.إن هذا التمييز محوري في النهج الهندي. فالهند ليست فقط عضواً مؤسساً في مجموعة بريكس وصوتاً مهماً للجنوب العالمي، لكنها في الوقت نفسه دولة ترتبط بشراكات عميقة عبر مختلف المناطق والتجمعات السياسية. وقد قاومت دبلوماسية الهند باستمرار المنطق القائل إن تعدد الأقطاب المتزايد يجب أن يعني مزيداً من الاستقطاب. وفي قمة نيودلهي، وصف رئيس الوزراء ناريندرا مودي بريكس بأنها مؤسسة تحترم وجهات النظر المختلفة، وتعمل من خلال التوافق، وتسعى إلى المضي قدماً "ليس ضد أي أحد"، وإنما من خلال إشراك الجميع. وهذا أيضاً ما يضفي على دعوة الهند إلى الإصلاح طابعها الخاص. فهي ليست رفضاً للتعددية، وإنما دعوة إلى جعل التعددية أكثر مصداقية.لقد أُنشئت العديد من المؤسسات التي تقع في صميم الحوكمة العالمية في حقبة مختلفة. ومنذ ذلك الحين، تغير توزيع السكان والقوة الاقتصادية والقدرات التكنولوجية والطموحات السياسية بصورة عميقة، غير أن التمثيل وصنع القرار لم يواكبا دائماً هذه التحولات.وفي قمة نيودلهي، عرض رئيس الوزراء ناريندرا مودي المشكلة بوضوح. فالجنوب العالمي غالباً ما يكون في الصفوف الأمامية عندما تفرض الأزمات العالمية تكاليفها، فيتحمل عواقبها ويسهم في حلها، لكنه يُدفع إلى الهامش عندما يتعلق الأمر بتحديد الأولويات، وصياغة القواعد، واتخاذ القرارات. وتعكس دعوته إلى تحويل (هرم الامتياز) القائم إلى (منصة للشراكة) تخاطب سلطة صنع القرار والتمثيل والنفوذ المؤسسي في أيدي مجموعة صغيرة نسبياً من الدول. ولا تدعو رؤية الهند إلى إزاحة هرمية بأخرى، وإنما إلى توزيع أوسع للصوت والقدرة على الفعل والمشاركة داخل النظام الدولي. ولهذا أيضاً فإن دعوة الهند للجنوب العالمي للانتقال من "متلقٍ للقواعد" إلى "مشكّل للقواعد" تستحق الاهتمام، فهي ليست دعوة ضد القواعد، وإنما من أجل نظام تستمد فيه تلك القواعد قدراً أكبر من الشرعية من المشاركة الأوسع في صياغتها.ومن هنا، فإن دعوة إعلان نيودلهي إلى إصلاح الأمم المتحدة، بما في ذلك مجلس الأمن، تكتسب أهمية، وكذلك مطالبته بتمثيل أكبر للاقتصادات النامية في الحوكمة المالية العالمية. فهذه ليست مجرد قضايا تتعلق بالمكانة، إذ يؤثر التمثيل في القضايا التي تحظى بالاهتمام، وفي التجارب التي تستند إليها السياسات، وفي كيفية توزيع الموارد الدولية.إن طرح الهند يتجاوز مجرد الحصول على مزيد من المقاعد على الطاولات القائمة. والسؤال الأعمق هو: ماذا تقدم هذه المؤسسات؟ ومن أبرز بصمات الهند على رئاسة بريكس هذه إصرارها على ربط الحوكمة العالمية بحياة الناس اليومية. فقد اتسمت مسيرة التنمية الهندية بالعمل على نطاق واسع من خلال توسيع نطاق الشمول المالي، والاتصال الرقمي، والخدمات العامة في مجتمع شديد التنوع. ولذلك فإن النهج الذي تحمله الهند إلى بريكس عملي بقدر ما هو سياسي؛ إذ تكتسب المؤسسات شرعيتها عندما تحقق نتائج ملموسة.ويكشف تركيز الهند على التمثيل والاستجابة وصنع القواعد عن أمر لافت في هذا السياق. فمفهوم الاستجابة يعني أن على المؤسسات أن تستجيب بسرعة وعلى نطاق واسع وبأثر يصل إلى المستفيد النهائي. أما صنع القواعد فيعني أن على البلدان النامية أن تشارك في تشكيل الأنظمة التي ستحكم المستقبل، لا أن تكتفي بالتكيف مع قواعد صيغت في أماكن أخرى.ولا يتجلى هذا الأمر في مجال أكثر أهمية من التكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والأنظمة الرقمية وغيرها من التقنيات الناشئة ستحدد ليس فقط القدرة على المنافسة الاقتصادية، بل أيضاً الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والمعرفة والفرص. ولذلك يتعامل إعلان نيودلهي مع إمكانية الوصول والشمول واستخدام الذكاء الاصطناعي لتحقيق الصالح الاجتماعي باعتبارها قضايا تتعلق بالإنصاف العالمي. كما يقر بأن المعارف والثقافات والقيم التي لا تحظى بتمثيل كافٍ في مجموعات البيانات معرضة للتهميش مع ازدياد انتشار الذكاء الاصطناعي. وفي نهاية المطاف، تتعلق المسألة بالقدرة على الفعل: من يبني تقنيات المستقبل؟ ومن يضع معاييرها؟ وما المشكلات التي صُممت لمعالجتها؟ ومن يستفيد منها؟وينطبق المبدأ نفسه على الموارد الطبيعية. فبينما يتنافس العالم على المعادن الحيوية الضرورية للتحولات في مجال الطاقة والتكنولوجيا، لا يمكن أن تبقى البلدان النامية الغنية بالموارد محصورة بصورة دائمة في أدنى مستويات سلسلة القيمة. وبدلاً من ذلك، يتحدث الإعلان عن تقاسم المنافع، وإضافة القيمة محلياً، والتنويع الاقتصادي، والحقوق السيادية في الموارد الطبيعية. وهذه فكرة مهمة في الاقتصاد العالمي المتغير. فالتنمية لا ينبغي أن تعني استبدال شكل من أشكال التبعية بآخر.ويتبع نهج الهند تجاه السلم والأمن الدوليين المنطق نفسه. ففي عالم مترابط، وكما أشار رئيس الوزراء مودي: "لا تبقى أي أزمة محصورة في منطقة واحدة"، فالصراع ينتقل عبر طرق التجارة المضطربة، وأسواق الطاقة، وأسعار الغذاء، والنزوح، وسلاسل الإمداد المنقطعة. ولذلك واصلت الهند التأكيد على الحوار والدبلوماسية، والتسوية السلمية للنزاعات، واحترام ميثاق الأمم المتحدة. كما يدعو إعلان نيودلهي إلى اتباع مقاربات سياسية ودبلوماسية للحد من النزاعات ومعالجة أسبابها الجذرية.وهنا تصبح بريكس نفسها تجربة مثيرة للاهتمام. فأعضاؤها لا يتشاركون دائماً الأنظمة السياسية أو المصالح الاستراتيجية أو التجارب التاريخية نفسها. ولا يمكن افتراض التوصل إلى توافق بينهم. ومع ذلك، فإن قدرتهم، تحديداً بسبب هذا التنوع، على تحديد أرضية مشتركة لها قيمة. وإلى جانب ذلك، يقترن تنوعهم بثقل مادي كبير. فدول بريكس مجتمعة تضم مراكز رئيسية للسكان والإنتاج والطاقة والتكنولوجيا والتمويل، ما يمنح المجموعة قدرة متزايدة على التأثير في كيفية تشكل المرحلة المقبلة من النظام الدولي.وتقدم الفكرة الحضارية الهندية (فاسودهايفا كوتومباكام، أي أن العالم أسرة واحدة) منظوراً مفيداً لفهم هذا النهج. فهي لا تتطلب التشابه، بل تشير بدلاً من ذلك إلى إمكانية التعايش بين التعددية والمسؤولية الجماعية؛ وأن السيادة الوطنية والتعاون الدولي لا يجب أن يكونا متناقضين؛ وأن النظام الدولي المستدام يجب أن يتيح للبلدان مسارات مختلفة للتنمية، مع منحها صوتاً ذا معنى في القرارات التي تهم الجميع.ماذا يعني ذلك بالنسبة لفلسطين؟في ضوء هذه الصورة الأوسع، ينبغي قراءة لغة إعلان نيودلهي بشأن فلسطين. فقد أعاد الإعلان، بصورة لا لبس فيها، التأكيد على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. كما جدد دعمه لحق تقرير المصير ولقيام دولة فلسطين ذات السيادة، ولحصولها على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، ورفض التهجير القسري والتغييرات الديموغرافية أو الجغرافية في غزة، ودعم الأونروا، ودعا إلى ضمان الوصول الإنساني، ورفض الإجراءات الأحادية الرامية إلى تغيير الوضع القانوني والتاريخي للقدس.لكن الإعلان لا يكتفي بإعادة تأكيد الأهداف السياسية المرتبطة بقيام الدولة الفلسطينية، بل يشير أيضاً إلى البنية العملية اللازمة لجعل السيادة أكثر معنى، مثل المشاركة في المؤسسات الدولية، والوصول إلى الموارد، وزيادة امتلاك زمام الخيارات التي تشكل مسار التنمية.وبالنسبة لفلسطين، فإن المسافة بين الاعتراف والسيادة هي أيضاً المسافة بين الصوت والقدرة على الفعل. ويستند المستقبل الفلسطيني القابل للحياة إلى مؤسسات قوية، وفرص اقتصادية، والوصول إلى التمويل والتكنولوجيا، والقدرة على تعليم وتشغيل جيل شاب، ومشاركة حقيقية في القرارات التي تشكل مسار التنمية. وتظل المساعدات الإنسانية أمراً لا غنى عنه في الظروف الراهنة، لكن الهدف الطويل الأجل يجب أن يكون توسيع المجال أمام الفلسطينيين لممارسة قدر أكبر من التحكم في مؤسساتهم واقتصادهم ومستقبلهم الوطني.ولهذا تستحق رئاسة الهند لمجموعة بريكس الاهتمام بما يتجاوز الفقرات الخاصة بفلسطين نفسها. فالهند تطرح رؤية لعالم يمكن أن يصبح أكثر تعددية في الأقطاب دون أن يصبح أكثر انقساماً، وأكثر تمثيلاً دون التخلي عن القواعد المشتركة، وأكثر إنصافاً دون المطالبة بالتجانس. وفي جوهرها، تقوم هذه الرؤية على تفضيل الإصلاح على القطيعة.ولهذا السبب، لدى فلسطين ما يدعوها إلى الاستثمار في هذه الرؤية الناشئة. فالقيمة لا تكمن فقط في المواقف التي تتبناها بريكس، بل أيضاً في الاتساع التدريجي للمجال السياسي والاقتصادي والتكنولوجي المتاح للبلدان التي طالما قيدت خياراتها هياكل لم تصممها بنفسها. وفي مثل هذا المشهد، تكتسب العلاقات الأعمق مع دول بريكس والجنوب العالمي الأوسع، وزيادة الارتباط بالمنصات الناشئة للتمويل والمعرفة والتكنولوجيا، وإدماج التجربة والأولويات الفلسطينية في النقاشات التي تشكل الجيل المقبل من المؤسسات العالمية، قيمة استراتيجية أكبر. فالفرصة لا تكمن في الانضمام إلى كتلة، بل في أن تصبح فلسطين أكثر حضوراً في عالم تتوزع فيه القوة والشراكات والإمكانات على نطاق أوسع.ولن ينشأ مثل هذا العالم من قمة واحدة. غير أن الأنظمة الدولية تتغير أولاً من خلال تغير الأفكار حول ما هو مشروع وما هو ممكن. وبالنسبة لفلسطين، ولجزء كبير من عالمنا اليوم، فإن الوعد الكامن في هذا التحول كبير.

من الامتياز إلى الشراكة... رؤية الهند لمجموعة بريكس ولماذا ينبغي لفلسطين أن توليها الاهتمام

اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)