لم يكن اتفاق أوسلو مجرد اتفاق سياسي عابر في تاريخ القضية الفلسطينية، بل كان نقطة تحول أعادت تعريف الصراع من قضية شعب يقاوم الاحتلال ويطالب بحريته واستقلاله إلى قضية سلطة محدودة الصلاحيات، تتحرك داخل مساحة يحدد الاحتلال حدودها السياسية والأمنية والاقتصادية ، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على توقيع الاتفاق، تبدو النتيجة أكثر وضوحًا: لم تقم الدولة الفلسطينية التي جرى تسويقها للفلسطينيين، بينما توسع الاستيطان، وتعمقت السيطرة الإسرائيلية على الأرض، وتحولت الضفة الغربية إلى مناطق مقطعة الأوصال، وبقي الاحتلال هو صاحب القرار الفعلي في معظم مفاصل الحياة.
لقد وقعنا، كما يقول كثيرون اليوم، في وهم خيار الدولة، وأسقطنا تدريجيًا مفهوم الوطن الشامل ، جرى اختزال المشروع الوطني في سلطة تحت الاحتلال، ومؤسسات بلا سيادة، واقتصاد بلا استقلال، وأجهزة أمنية تعمل في بيئة يملك الاحتلال فيها اليد العليا، وفي الوقت الذي كان يفترض فيه أن تكون المرحلة الانتقالية طريقًا نحو إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة، استغل الاحتلال سنوات أوسلو لتثبيت وقائع جديدة على الأرض، وفي مقدمتها التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وتغيير طبيعة القدس والضفة الغربية.
لفد شكل اتفاق أوسلو ستارًا وتغطية للممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس، إذ استفادت إسرائيل من وجود مسار سياسي يحمل اسم السلام لتواصل سياساتها على الأرض، فخلال سنوات أوسلو توسع الاستيطان، وبُني الجدار، وشهدت الضفة الغربية اجتياحًا واسعًا عام 2002، واغتيل الرئيس ياسر عرفات عام 2004، ثم جرى فصل قطاع غزة عن الضفة عام 2005، بينما استمر تعطيل أي تحرك دولي جاد لإنهاء الاحتلال تحت ذريعة الحفاظ على عملية السلام. أخبار ذات صلة قرارات جديدة.. إسرائيل تدفن أوسلو وتفرض واقع الضم في الضفة الغربية ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 73,783 والإصابات إلى 174,738
ولم تكن الخسارة سياسية وأمنية فقط، بل امتدت إلى الاقتصاد الذي أصبح مقيدًا ببنية الاتفاقات التي أُبرمت في إطار أوسلو، وعلى رأسها بروتوكول باريس الاقتصادي، فقد وجد الاقتصاد الفلسطيني نفسه مرتبطًا بصورة عميقة بالاقتصاد الإسرائيلي، من خلال الاتحاد الجمركي والسيطرة الإسرائيلية على المعابر وحركة الاستيراد والتصدير، الأمر الذي حرم الفلسطينيين من بناء اقتصاد مستقل قادر على التواصل بحرية مع العالم الخارجي.
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج أوسلو: أن الاحتلال لم يعد يسيطر على الأرض والسلاح والحركة فقط، بل أصبح قادرًا على التأثير في تفاصيل الحياة الاقتصادية الفلسطينية ، فالمعابر والموانئ وحركة التجارة والاستيراد والتصدير ظلت تحت السيطرة الإسرائيلية، كما أصبحت أموال المقاصة ورقة ضغط سياسية واقتصادية تستخدمها إسرائيل متى أرادت لمعاقبة السلطة أو ابتزازها.
بلا شك فأن بروتوكول باريس ألحق الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي، وقيد قدرته على بناء علاقات تجارية واقتصادية مستقلة مع العالم، ومع استمرار السلطة في الالتزام بهذه الاتفاقيات، أصبح الاقتصاد الفلسطيني أكثر هشاشة واعتمادًا على الجانب الإسرائيلي، بما يجعل عملية التعافي وإعادة بناء اقتصاد مستقل أكثر صعوبة حتى في حال تغير الواقع السياسي وانتهاء الاحتلال.
التعليقات (0)