ثلاثة عقود مرّت منذ دخل الفلسطينيون مسارًا سياسيًا حمل وعدًا بالانتقال من واقع الاحتلال إلى واقع الدولة. وكان أوسلو، بكل ما له وما عليه، قفزة تاريخية نقلت الفلسطينيين إلى موقع سياسي جديد، وفتح أمامهم مجالًا لبناء المؤسسات وممارسة الحكم والتمثيل الرسمي والانخراط في العلاقات الدولية. لذلك لا تبدأ مراجعة هذه المرحلة من إنكار تلك اللحظة، وإنما من فهم ما فعلته ممارسة الدولة الطويلة في وعينا بالواقع وفي الطريقة التي أدارت بها النخبة السياسة.
نشأ اعتقاد بأن التصرف على أساس الدولة سيقود إلى ترسيخها؛ فبناء الوزارات والمؤسسات والأجهزة، وإدارة الشأن العام، وإصدار القوانين، وممارسة وظائف الدول، إلى جانب الحضور الرسمي والعلاقات الدولية، سيجعل الدولة تتجذر تدريجيًا في الواقع. ومع الزمن لم تعد الدولة مجرد هدف نسعى إليه، بل أصبحت حاضرة في اللغة والمؤسسات والممارسة والوعي، خصوصًا لدى النخبة التي انتقلت من أدوار الحركة والتحرر إلى أدوار الحكم والإدارة والتمثيل الرسمي.
وهنا نشأت المسافة الأهم: الدولة تقدمت في الوعي أكثر مما تقدمت في الواقع.
فقد بنينا كثيرًا من مظاهر الدولة، بينما بقيت عناصر السيادة الحاسمة خارج السيطرة: الأرض والحدود والحركة والموارد والقرار والقدرة على حماية المجال الوطني. نشأت دولة في المؤسسات واللغة والتمثيل والعلاقات، قبل أن تكتمل دولة السيادة في الواقع. ولم تكن المشكلة في بناء المؤسسات، بل في أن نجاحها في العمل والاستمرار بدأ يُقرأ، مع الوقت، بوصفه تقدمًا في اتجاه الدولة، حتى عندما ظل جوهرها السيادي بعيدًا.
ولأن الممارسة لا تكتفي بتغيير الواقع، بل تعيد تشكيل من يمارسها، فقد أعادت ممارسة الدولة تشكيل طريقة الأداء السياسي أيضًا. فحين أصبحت النخبة مسؤولة عن مؤسسات وميزانيات وخدمات واقتصاد وعلاقات خارجية، أصبحت الأولوية للاستقرار والاستمرارية وإدارة الأزمات وحماية المؤسسة. ومع طول الزمن، تحول المؤقت إلى مألوف، والمألوف إلى قاعدة، وأصبح الأداء أكثر انشغالًا بإدارة الواقع من تغيير شروطه.
لم يكن ذلك بالضرورة قرارًا واعيًا بالتخلي عن التحرر. كانت الوظيفة نفسها تعيد ترتيب الأولويات. ففي مرحلة التحرر يقاس النجاح بمقدار ما يتغير الاحتلال وموازين القوة وشروط السيطرة؛ أما في مرحلة الحكم فيقاس بانتظام المؤسسات واستمرار الخدمات وإدارة الاقتصاد والأزمات. وهكذا نشأت مفارقة أساسية: يمكن أن تنجح الإدارة بينما لا يتغير الواقع السياسي.
التعليقات (0)