أثار "نظام الطيبات"، الذي روّج له الطبيب ضياء العوضي، جدلا واسعا. وقد دفع رحيل العوضي شعبية هذه الحمية عاليا، وجذب إليها أعدادا هائلة من الأنصار المتحمسين. غير أن ما يبدو في الظاهر حمية بسيطة، ينطوي في باطنه على تداعيات صحية جسيمة حذر منها المختصون. فقد شاعت أخبار كثيرة عن ضحايا هذا النظام، لا سيما من المصابين بالأمراض المزمنة، فضلا عن التحفظات الكثيرة حول قائمة الممنوعات والمباحات في هذه الحمية، والتي يبدو أنها تحولت بالنسبة للبعض إلى عقيدة تفرق بين الطيب والخبيث، وليست مجرد فرضية طبية قابلة للتشكيك والدحض.
وهذا الجانب الروحي والعاطفي هو ما جمّع حولها الأنصار والمصدقين، وجعلها محصنة ضد مسطرة النقد العلمي. ومع ذلك فإن نازلة "الطيبات" ليست أولى نوازل الجدل الطبي في استجدائها عواطف الناس، وربما لن تكون الأخيرة، وليست أيضا تعبيرا عن مأزق اجتماعي عربي أو مسلم، بل لها نظائر وأشباه في كل بقاع العالم شمالا وجنوبا. فالبشر أينما كانوا ومهما كانت طبقاتهم ومستوى تفكيرهم وتعليمهم، يظلون عرضة للخداع والسقوط في فخاخ الادعاءات الزائفة طبية كانت أو في غير ذلك من مجالات الحياة.
"عندما يتعلق الأمر بتكوين المعتقدات، كثيرا ما تتغلب المشاعر على الأفكار"
لطالما اعتبر الإنسان قدرته على التفكير العقلاني جوهرة التاج التي تميز جنسه. إلا أن تحت كل هذا البناء الفكري الصارم، يتحكم نظام أقدم بكثير في الكثير مما نؤمن به، وهو دماغنا العاطفي. فعندما يتعلق الأمر بتكوين المعتقدات، وخاصة في مجالات الصحة والهوية والبقاء، غالبا ما تتغلب المشاعر على التفكير. وربما يبدو فهم سبب حدوث ذلك، وكيفية استغلاله بشكل منهجي، هو الخطوة الأولى والأكثر إلحاحا في بناء أي دفاع فعال ضد خيبة الأمل.
لم يكن الدماغ البشري دوما آلة للبحث عن الحقيقة، بقدر ما كان أداة للبقاء. وهاجس البقاء، كان يعني اتخاذ قرارات سريعة بناء على معلومات غير مكتملة والثقة بالجماعة الاجتماعية وتجنب التهديدات المتصورة، والسعي وراء الفرص المتاحة. وهذه الدوافع، المتأصلة بعمق في بنيتنا العصبية، هي تحديدا ما يجعلنا عرضة للتلاعب، لا سيما في مجال الصحة، حيث تتلاقى مشاعر الخوف والأمل بكثافة استثنائية.
هذه الفكرة يفصلها بدقة عالم الأعصاب مايكل شيرمر، في كتابه "الدماغ المصدِق" أو "الدماغ المعتقِد" (2011)، والذي يرى أن البشر كائنات "تعتمد على المعتقدات". فنحن نكون معتقداتنا أولا، مدفوعة بالعاطفة والحدس والتأثير الاجتماعي، ثم نبررها منطقيا لاحقا. وهذه العملية، التي يطلق عليها شيرمر اسم "النمطية"، أي الميل إلى إيجاد أنماط ذات معنى في الضوضاء، و"الفاعلية"، وهي الميل إلى إسناد فاعلية مقصودة لتلك الأنماط، ما يعني أن أدمغتنا هي في جوهرها آلات سرد قصص وليست معالِجات منطقية. فنحن لسنا في المقام الأول كائنات عقلانية تشعر بالأشياء أحيانا، بل نحن كائنات عاطفية تفكر أحيانا.
التعليقات (0)