f 𝕏 W
ميلوني ومصيرها السياسي.. قراءة في إيطاليا تحت تأثير حرائق الشرق الأوسط

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 👁 0 ⏱ 5 د قراءة
زيارة المصدر ←

ميلوني ومصيرها السياسي.. قراءة في إيطاليا تحت تأثير حرائق الشرق الأوسط

الأحد 26 أبريل 2026 9:56 صباحًا - بتوقيت القدس

في إيطاليا، لم يعد المشهد السياسي كما كان قبل سنوات قليلة، حين صعدت جورجيا ميلوني إلى السلطة مستفيدة من فراغ سياسي عميق وتفكك واضح في صفوف خصومها، اليوم تبدو تلك المرحلة أقرب إلى "شهر عسل" سياسي طويل بدأ يقترب من نهايته، تحت ضغط تحولات داخلية متسارعة وتناقضات خارجية باتت أكثر حدّة ووضوحاً.فالأزمة التي تفجّرت على خلفية دعم ميلوني غير المشروط للحرب التي تقودها إدارة دونالد ترمب ضد إيران، لم تكن مجرد اختلاف في المواقف بين الحكومة والمعارضة، بل كشفت عن فجوة متنامية بين خيارات السلطة والمزاج العام الإيطالي، فبينما اندفعت الحكومة نحو تبني خطاب متماهٍ بالكامل مع واشنطن، ارتفعت أصوات داخل البرلمان وخارجه ترفض هذا الانخراط، معتبرة أنه يجرّ البلاد إلى صراعات لا تخدم مصالحها الوطنية.ولم تأتِ هذه المواجهة السياسية في فراغ، بل ترافقت مع ضربة داخلية موجعة تمثلت في خسارة الاستفتاء المتعلق بإلغاء حصانة القضاة، وهو ما اعتُبر مؤشراً على تراجع الثقة الشعبية في خيارات الحكومة، وعلى بداية تصدّع الصورة التي حاولت ميلوني ترسيخها كقائدة قوية قادرة على فرض أجندتها دون كلفة سياسية تُذكر.غير أن قراءة صعود ميلوني لا تكتمل دون التوقف عند السياق الذي أوصلها إلى الحكم، فنجاحها لم يكن نتاج إنجازات اقتصادية أو اجتماعية استثنائية، بقدر ما كان انعكاساً لعجز المعارضة عن تقديم مشروع بديل متماسك ، فقد انشغلت الأحزاب المنافسة بصراعاتها الداخلية، وتآكلت قدرتها على التأثير، ما أتاح لميلوني توسيع هامش حركتها السياسية دون مواجهة حقيقية، سواء داخل المؤسسات أو في الشارع.كما أن اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا قبل أشهر من وصولها إلى السلطة، لعب دوراً محورياً في تعزيز موقعها، فقد وجدت نفسها في قلب مشهد دولي متوتر، ما منحها فرصة الظهور كحليف موثوق للغرب، ومتحدث باسم خط سياسي منسجم مع التوجهات الأوروبية والأميركية، هذا التموضع لم يوفّر لها دعماً خارجياً فحسب، بل أسهم أيضاً في تحييد جزء من المعارضة الداخلية التي بدت حذرة من معارضة خطاب "الأمن والاستقرار" في ظل أجواء الحرب.غير أن العامل الأكثر حساسية وتأثيراً في المرحلة الراهنة يتمثل في الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، وما خلّفته من صدمة إنسانية عميقة في الوعي الأوروبي عموماً، والإيطالي خصوصاً، فهذه الحرب لم تبقَ في إطار السياسة الخارجية، بل تحولت إلى قضية داخلية بامتياز، مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية واتساع دائرة التضامن مع الفلسطينيين، وهو ما وضع حكومة ميلوني في مواجهة مزاج عام يميل إلى رفض استمرار الحرب أو تبريرها.هنا، تتجلى واحدة من أبرز أزمات ميلوني السياسية: الاصطفاف الواضح إلى جانب إسرائيل، أو على الأقل الامتناع عن توجيه نقد حقيقي لسلوكها، في وقت يتزايد فيه الضغط الشعبي والأخلاقي لاتخاذ موقف أكثر توازناً، هذا التناقض بدأ يفتح فجوة بين الحكومة والشارع، ويمنح المعارضة مادة سياسية وأخلاقية لمهاجمتها، بعد سنوات من العجز والتشتت.ولم يعد هذا الملف هامشياً في الصراع السياسي الداخلي، بل بات عاملاً مراكماً يساهم في تآكل رصيد ميلوني، ويضعف قدرتها على تقديم نفسها كمعبرة عن "الإرادة الوطنية"، فحين يشعر قطاع واسع من المجتمع أن حكومته لا تعكس مواقفه في قضية إنسانية بهذا الحجم، فإن الثقة لا تنهار دفعة واحدة، لكنها تبدأ بالتآكل البطيء، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه أي سلطة سياسية.لكن المعادلة التي خدمت ميلوني في البداية بدأت تنقلب تدريجياً، فمع اتساع رقعة الأزمات الدولية، وتزايد كلفة الاصطفافات الحادة، لم يعد الرأي العام الإيطالي مستعداً لمنح شيك على بياض لسياسات خارجية قد تنعكس سلباً على الداخل، وتُظهر مؤشرات المزاج الشعبي أن غالبية الإيطاليين ترفض الانخراط في حروب جديدة، وهو موقف يتقاطع مع اتجاهات أوسع داخل أوروبا، حيث تتصاعد النزعات الداعية إلى تقليل التبعية للقرار الأميركي وإعادة التركيز على الأولويات الوطنية.هنا، تجد ميلوني نفسها أمام اختبار بالغ التعقيد، فهي من جهة، لا تستطيع التراجع بسهولة عن التزاماتها تجاه واشنطن، لما لذلك من تداعيات على موقعها الدولي وعلاقاتها الاستراتيجية، ومن جهة أخرى، تدرك أن تجاهل المزاج الداخلي قد يكلّفها سياسياً مع اقتراب انتخابات خريف 2027، التي لن تُحسم فقط بناءً على التحالفات الخارجية، بل على قدرة الحكومة على إقناع الناخب الإيطالي بأنها تعمل لمصلحته أولاً.المفارقة أن المعارضة، رغم استمرار ضعفها البنيوي، بدأت تجد في هذه التناقضات فرصة لإعادة التموضع، فالهجوم الذي شنّته على ميلوني داخل البرلمان لم يكن مجرد رد فعل ظرفي، بل محاولة لاستثمار لحظة اهتزاز في صورة الحكومة، والبناء عليها لاستعادة جزء من حضورها السياسي، وإذا ما نجحت في تجاوز خلافاتها الداخلية وصياغة خطاب بديل، فقد تتحول من عامل هامشي إلى لاعب مؤثر في المعادلة القادمة.في المحصلة، لا يمكن فهم ما يجري في إيطاليا اليوم بمعزل عن التحولات الأوسع التي يشهدها النظام الدولي، فالتداخل بين الداخل والخارج بات أكثر عمقاً، وأي قرار سياسي لم يعد يُقاس فقط بمدى انسجامه مع الحلفاء، بل بقدرته على الصمود أمام اختبار الشارع، وهذا ما يجعل المرحلة الحالية مفصلية بالنسبة لميلوني، التي تقف على حافة انتقال من مرحلة الهيمنة المريحة إلى مرحلة المواجهة المفتوحة.إن "شهر العسل السياسي" الذي تمتعت به ميلوني طوال السنوات الماضية لم ينتهِ بعد بشكل كامل، لكنه بالتأكيد لم يعد كما كان، وما بين ضغط الخارج وغضب الداخل، تتشكل ملامح مرحلة جديدة قد تعيد رسم الخريطة السياسية في إيطاليا، وتطرح سؤالاً أكبر: هل تستطيع زعيمة اليمين الحفاظ على توازنها، أم أن الرياح التي حملتها إلى السلطة بدأت تدفعها في الاتجاه المعاكس؟

ميلوني ومصيرها السياسي.. قراءة في إيطاليا تحت تأثير حرائق الشرق الأوسط

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)