f 𝕏 W
حين يصبح الصف مكاناً للبقاء لا للتعلّم فقط

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 👁 1 ⏱ 5 د قراءة
زيارة المصدر ←

حين يصبح الصف مكاناً للبقاء لا للتعلّم فقط

الأحد 26 أبريل 2026 9:58 صباحًا - بتوقيت القدس

في الأدبيات التربوية التقليدية، يُنظر إلى الصف المدرسي بوصفه مساحة للتعلّم: مكاناً منظماً لنقل المعرفة، وبناء المهارات، وتنمية التفكير. لكن في البيئات القسرية، يتغير معنى الصف جذرياً.في الحالة الفلسطينية، لم يعد الصف مجرد مكان للتعليم، بل أصبح-في كثير من الأحيان-مساحة للبقاء النفسي والاجتماعي والوطني.هذه ليست مبالغة بل واقع يومي، خاصة بعد ما شهدته غزة من تدمير واسع للمدارس، وتحول بعضها إلى مراكز نزوح، وانقطاع آلاف الطلبة عن التعليم المباشر، إلى جانب ما تعيشه الضفة الغربية من اقتحامات متكررة، وإغلاقات، وحواجز، وبيئة عامة من عدم اليقين.الطالب الذي يصل إلى المدرسة لا يأتي دائماً من بيت مستقر، ولا من حالة نفسية تسمح له بأن يكون "طالبا" بالمعنى التقليدي.قد يأتي من ليلة اقتحام، أو من فقدان أحد أفراد الأسرة، أو من منزل يعاني ضائقة اقتصادية خانقة، أو من رحلة عبور يومية عبر الحواجز العسكرية.في مثل هذه الظروف، لا يكون السؤال الأول: ماذا سيتعلم اليوم؟بل: هل يستطيع أن يبقى متماسكاً بما يكفي ليتعلم أصلاً؟هنا تتغير وظيفة الصف. يصبح الصف مساحة لإعادة ترتيب الداخل، لا فقط لتنظيم المنهاج.ويصبح حضور الطالب فعل مقاومة يومي، لا مجرد التزام مدرسي.الاستمرار في التعلّم هنا ليس مساراً طبيعياً، بل قرار بقاء.في غزة مثلاً، لم يعد التحدي فقط في استمرار العملية التعليمية، بل في وجود مكان مادي يمكن أن يسمى "صفاً".حين تُقصف المدارس أو تتحول إلى ملاجئ، يصبح التعليم نفسه فعلاً استثنائياً.وفي بعض المناطق، تحولت الخيام، والزوايا المؤقتة، وحتى جلسات التعليم الشفوي داخل مراكز الإيواء، إلى بدائل اضطرارية عن المدرسة.هذه التجارب يجب ألا تُقرأ فقط كحالات طوارئ، بل كنماذج تربوية تستحق الدراسة.وفي الضفة، الصورة مختلفة لكن الألم واحد.طالب من نابلس أو جنين قد يصل إلى جامعته أو مدرسته بعد ساعات من الانتظار على الحواجز، أو قد يُمنع من الوصول أصلاً.هذا الاستنزاف اليومي لا يظهر في نتائج الامتحانات فقط، بل في الدافعية، والانتماء، والقدرة على الاستمرار.المعلم أيضاً لم يعد مجرد ناقل معرفة.هو يواجه صفاً مشحوناً نفسياً، وطلبة يحملون من القلق أكثر مما يحملون من الكتب.في كثير من الأحيان، يصبح دوره الحقيقي هو خلق حد أدنى من الأمان داخل مساحة مضطربة.المعلم هنا أقرب إلى قائد مجتمعي منه إلى موظف. والمشكلة أن هذا الدور لا يُعترف به مؤسسياً كما يجب.حتى الأسرة أصبحت جزءاً مباشراً من المعادلة التربوية.الأب أو الأم في البيئات القسرية لا يقلق فقط على التحصيل الدراسي، بل على بقاء الابن متصلاً نفسياً بفكرة المدرسة نفسها.كثير من الأسر اليوم تخوض معركة يومية لمنع الانقطاع الصامت:طالب يحضر جسدياً لكنه غادر نفسياً،أو آخر بدأ يرى العمل أو الانسحاب أكثر منطقية من الدراسة.وهنا تظهر الفئة العمرية كعامل حاسم.الطفل في المرحلة الأساسية يحتاج إلى الأمان والانتماء قبل المعرفة.أما طالب الثانوية، فيعيش أزمة مضاعفة: ضغط الامتحان، وضبابية المستقبل، والخوف من أن جهده قد لا يقوده إلى فرصة حقيقية.أما الطالب الجامعي، فهو يواجه سؤالاً أكثر قسوة:هل ما أتعلمه اليوم سيجد مكاناً في واقع سياسي واقتصادي مغلق؟لهذا، فإن الحديث عن التعليم يجب أن يتجاوز المدرسة كمبنى، إلى المدرسة كعلاقة نفسية واجتماعية ووطنية.التجارب المقارنة تؤكد ذلك.في جنوب أفريقيا خلال سنوات الفصل العنصري، وفي بعض مخيمات اللجوء السورية، لم يكن التعليم مجرد خدمة اجتماعية، بل أداة لحماية الهوية ومنع الانهيار المجتمعي.الصف هناك كان مساحة مقاومة، تماماً كما هو الحال في التجربة الفلسطينية.لكن المشكلة أننا لا نحول هذه التجربة إلى سياسات واضحة.نقيس النجاح بعدد الحصص واكتمال المنهاج، بينما قد يكون النجاح الحقيقي هو منع الانقطاع النفسي، أو الحفاظ على الدافعية، أو خلق شعور بالاستقرار داخل بيئة غير مستقرة.من هنا، نحتاج إلى خطوات عملية لا شعارات عامة:أولاً: إدماج الدعم النفسي كجزء أصيل من العملية التعليمية، لا كبرنامج جانبي مؤقت.ثانياً: تدريب المعلمين على إدارة الصف في البيئات الضاغطة، وليس فقط على المحتوى الأكاديمي.ثالثاً: بناء خطط تعليم مرنة للطوارئ، تشمل التعليم البديل، والتعليم المجتمعي، والتعليم اللامركزي في حالات الانقطاع.رابعاً: إشراك الأسرة كشريك تربوي فعلي، لا مجرد متابع للنتائج.خامساً: إعادة تعريف النجاح التربوي ليشمل الصمود النفسي والاجتماعي، لا المعدلات فقط.في فلسطين، قد لا يكون نجاح المدرسة في إنهاء المنهاج، بل في منع انهيار العلاقة بين الطالب والحياة. وقد لا يكون أعظم إنجاز للمعلم أن يشرح درساً كاملاً، بل أن يُقنع طالباً واحداً ألا ينسحب. الصف، في مثل هذه الظروف، ليس مكاناً للتعلّم فقط.أحياناً، يكون آخر مساحة تحفظ للإنسان توازنه، وللمجتمع قدرته على الاستمرار.ولهذا، فإن الدفاع عن المدرسة ليس دفاعاً عن مؤسسة، بل دفاع عن البقاء نفسه.وحين نفهم ذلك، سندرك أن السؤال لم يعد: كيف نُحسن التعليم؟بل: كيف نحمي الصف بوصفه آخر مساحة للصمود؟

حين يصبح الصف مكاناً للبقاء لا للتعلّم فقط

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)