ماذا لو أن الشهادة التي تكشف ما يجري داخل منظومة العدوان لم تأتِ هذه المرة من خصوم إسرائيل، ولا من منظمات حقوقية دولية، ولا من صحفيين يتابعون العدوان من خارجه، وإنما من أشخاص كانوا جزءًا من المؤسسة العسكرية والاستخبارية نفسها؟ هنا تحديدًا تبدأ أهمية فيلم «الأضرار الجانبية»؛ فهو لا يكتفي بعرض مشاهد العدوان ونتائجه، وإنما يحاول أن يأخذ المشاهد إلى المكان الذي يسبق القصف: إلى غرف الاستخبارات والعمليات، حيث تتحول المعلومات إلى أهداف، والأهداف إلى قرارات، والقرارات إلى صواريخ تسقط على أناس يعيشون حياتهم في الجهة الأخرى.
الفيلم، الذي أخرجه يوڤال أبراهام وراشيل زور، ويشارك فيه نحو 24 من ضباط الاستخبارات والجنود والعاملين في المنظومة الأمنية، يقدم شهادات جرى تسجيلها سرًا، مع إخفاء هويات أصحابها وتغيير أصواتهم، وهذه النقطة ليست تفصيلًا عابرًا؛ فالشهادات تأتي من داخل المنظومة نفسها، من أشخاص عرفوا آليات العمل وشاركوا فيها، ولذلك فإن قيمة الفيلم لا تكمن فقط في الصور التي يعرضها، وإنما في انتقاله إلى ما وراء الصورة: إلى الطريقة التي تُتخذ بها قرارات القصف وتُحدد بها الأهداف.
حتى عنوان الفيلم يحمل دلالة كاشفة، فمصطلح «الأضرار الجانبية» هو التعبير البيروقراطي البارد الذي تُوصف به الخسائر المدنية في الحروب، بحيث تتحول حياة الإنسان إلى «ضرر» مصاحب للعملية العسكرية، يصبح القتيل رقمًا، والبيت «هدفًا»، والحي منطقة عمليات، والقصف إجراءً يمكن قياس نتائجه بالأرقام، وهنا تكمن إحدى أخطر أفكار الفيلم: حين تُختزل حياة المدنيين في لغة إدارية، يصبح من الأسهل التعامل مع موتهم باعتباره جزءًا من حسابات العملية، لا باعتباره مأساة إنسانية لها أصحاب ووجوه وأسماء.
لطالما استندت الرواية الإسرائيلية إلى القول إن مقتل المدنيين في غزة نتيجة غير مقصودة للحرب، وإن الجيش يفعل كل ما يستطيع لتجنبهم، وإن المسؤولية الأساسية تقع على حماس بسبب استخدامها المدنيين دروعًا بشرية، لكن الفيلم يحاول نقل النقاش من النتيجة إلى الآلية التي تسبقها: ماذا يحدث قبل سقوط القنبلة؟ وكيف يُختار الهدف؟ وهل تُعرف مسبقًا احتمالات سقوط ضحايا مدنيين؟ وماذا يحدث عندما تكون هذه الخسائر متوقعة، ومع ذلك يُتخذ القرار بالمضي في الضربة؟
هنا تصبح بعض الشهادات شديدة الدلالة؛ إذ تتحدث عن تقديرات مسبقة لعدد المدنيين الذين يمكن أن يُقتلوا في عملية استهداف شخص واحد، وعندما يصبح الحديث عن مئات المدنيين مقابل شخص واحد، فإننا لا نعود أمام سؤال يتعلق بخطأ عابر أو خلل غير متوقع، بل أمام سؤال مختلف تمامًا: هل أصبح موت المدنيين رقمًا مقبولًا سلفًا ضمن قرار الاستهداف؟
والأكثر إثارة للقلق هو الدور الذي تؤديه الأنظمة الحاسوبية والذكاء الاصطناعي في هذه العملية، فبحسب الشهادات التي يقدمها الفيلم، تُستخدم أنظمة قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات وبناء قوائم أهداف، بما في ذلك أهداف تقع داخل منازل مأهولة، مع معرفة مسبقة باحتمال وجود نساء وأطفال ومدنيين فيها، وهنا لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية تساعد الإنسان، بل يصبح جزءًا من منظومة إنتاج الأهداف وتسريعها وتوسيع نطاقها.
التعليقات (0)