لم تبدأ قصة فلسطين الحديثة بوعد بلفور، كما أنها لم تبدأ مع مؤتمر بازل، ولم تكن ولادة إسرائيل عام 1948 حدثًا منفصلًا عن سياق طويل سبقها بعقود، بل جاءت نتيجة مسار تاريخي متدرج تداخلت فيه المصالح الإمبراطورية الأوروبية، والتحولات الدينية والسياسية، وصعود الصهيونية السياسية، ثم الدور البريطاني، وأخيرًا تدخل المجتمع الدولي في إعادة رسم مستقبل فلسطين، ولعل العودة إلى البدايات تكشف سؤالًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم: كيف انتقلت فلسطين من إقليم تابع للإمبراطورية العثمانية، يعيش فيه مجتمع عربي فلسطيني بغالبيته، إلى أرض أصبحت موضوعًا لمشروعات دولية متنافسة، ثم إلى وطن قومي لليهود في السياسة البريطانية، ثم إلى دولة إسرائيل، بينما بقي الشعب الفلسطيني بلا دولة؟ في القرن السادس عشر، وتحديدًا في عهد السلطان سليمان القانوني، ظهرت واحدة من المحطات المبكرة التي تكشف اهتمام بعض الشخصيات اليهودية الأوروبية بإقامة وجود منظم في فلسطين، فقد حصلت دونا غراسيا ناسي، ثم ابن أختها يوسف ناسي، على امتيازات عثمانية مرتبطة بمنطقة طبريا، وسعى يوسف ناسي في ستينيات القرن السادس عشر إلى إعادة إعمار طبريا وتشجيع استقرار اليهود فيها. وهذه الواقعة لا تعني أن الدولة العثمانية «منحت فلسطين لليهود»، فهذا توصيف غير دقيق، لكنها تكشف أن فكرة إقامة تجمع يهودي منظم في فلسطين كانت قد ظهرت في سياق أوروبي-عثماني قبل الصهيونية الحديثة بقرون. وفي إنجلترا، ظهرت محطة أخرى في القرن السابع عشر مع أوليفر كرومويل، فقد كان موضوع عودة اليهود إلى إنجلترا حاضرًا في النقاش السياسي الإنجليزي في خمسينيات ذلك القرن، ثم وصل إلى مرحلة أكثر وضوحًا عام 1655 عندما تقدم الحاخام منشه بن إسرائيل بطلب إلى كرومويل للسماح لليهود بالعودة إلى إنجلترا، وعُقد مؤتمر وايتهول لمناقشة المسألة. ولم يصدر عن المؤتمر قانون رسمي بهذا الشأن، لكن الباب فُتح أمام عودتهم التدريجية، وتكمن أهمية هذه المرحلة لا باعتبارها وعدًا بريطانيًا بإقامة وطن لليهود في فلسطين، وإنما باعتبارها جزءًا من تطور علاقة سياسية وفكرية بين بريطانيا واليهود ستتخذ في القرون اللاحقة أبعادًا أخرى. ثم جاءت الحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام في نهاية القرن الثامن عشر، وفي سياقها ظهرت دعوة منسوبة إلى نابليون عام 1799 إلى اليهود للانضمام إلى مشروعه في المنطقة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها صهيونية بالمعنى الحديث، لكنها كانت من الإشارات المبكرة إلى دخول العامل اليهودي في فلسطين ضمن الحسابات السياسية الأوروبية. ومع القرن التاسع عشر، بدأت الفكرة تتخذ صورة أكثر انتظامًا، فمع تزايد النفوذ الأوروبي في الدولة العثمانية، وظهور جمعيات يهودية تهتم بالاستيطان في فلسطين، ثم صعود التيارات القومية اليهودية في أوروبا، تحولت فلسطين تدريجيًا من فكرة دينية لدى بعض الجماعات اليهودية إلى مشروع سياسي. وفي نهاية القرن، جاء تيودور هرتزل ليمنح هذا المشروع إطارًا سياسيًا منظمًا. ففي مؤتمر بازل عام 1897 تأسست المنظمة الصهيونية، وأقر المؤتمر برنامجًا هدفه إقامة «وطن للشعب اليهودي،حيث كانت فلسطين احدى الخيارات بحيث يكون هذا الوطن مضمونًا بموجب القانون العام»، مع تشجيع الاستيطان وتنظيم اليهود والحصول على موافقة الحكومات اللازمة لتحقيق الهدف، وهنا حدث التحول الأهم: لم تعد فلسطين مجرد موطن ديني متخيل في الذاكرة اليهودية، بل أصبحت هدفًا لمشروع سياسي يسعى إلى الحصول على اعتراف الحكومات الكبرى وتحويله إلى واقع، ومع بداية القرن العشرين، تزايد تداخل المشروع الصهيوني مع المصالح البريطانية في الشرق الأوسط، وتبرز هنا الإشارات إلى المنظومة الاستراتيجية البريطانية المرتبطة بحماية طرق التجارة والمصالح الإمبراطورية. ثم جاءت الحرب العالمية الأولى لتفتح الباب أمام التحول الأكبر، انهارت الدولة العثمانية، ودخلت فلسطين في مرحلة جديدة، بينما كانت بريطانيا قد بدأت بالفعل في صياغة ترتيباتها السياسية للشرق الأوسط. وفي الثاني من نوفمبر 1917 صدر وعد بلفور، الذي أعلنت فيه الحكومة البريطانية تأييدها لإنشاء «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين، مع النص على ألا يُفعل شيء يضر بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين. كان الوعد لحظة فاصلة؛ لأنه نقل الفكرة من إطار الحركة الصهيونية إلى إطار السياسة الرسمية لإحدى القوى الكبرى، لكنه في الوقت نفسه أوجد تناقضًا جوهريًا: بريطانيا تعهدت بتأييد إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وهي أرض لم تكن تملك السيادة عليها آنذاك، بينما كان معظم سكانها من العرب الفلسطينيين الذين لم يُمنحوا حق تقرير مستقبل وطنهم. وبعد الحرب لم يبقَ وعد بلفور مجرد إعلان بريطاني، فقد أُدرج في صك الانتداب على فلسطين الذي أقرته عصبة الأمم عام 1922، وأصبحت بريطانيا مسؤولة رسميًا عن تنفيذ الإعلان، مع النص في الوقت نفسه على حماية الحقوق المدنية والدينية للسكان غير اليهود. وهنا انتقلت المسألة من «وعد» إلى نظام دولي؛ فلم تعد بريطانيا تتحرك وحدها، بل أصبحت صاحبة انتداب دولي معترف به من عصبة الأمم، وأصبح تنفيذ المشروع الصهيوني مرتبطًا بإطار دولي أوسع من القرار البريطاني المنفرد. وفي هذه المرحلة ظهر شرق الأردن بوصفه جزءًا أساسيًا من هندسة المنطقة. فقد سمحت المادة 25 من صك الانتداب، بموافقة عصبة الأمم، بتأجيل أو حجب تطبيق بعض أحكام الانتداب في الأراضي الواقعة شرق نهر الأردن، ثم أُقر استثناء شرق الأردن من الأحكام المتعلقة بالوطن القومي اليهودي. ولم يكن هذا الفصل مجرد تفصيل إداري، فقد ارتبط بإعادة ترتيب المنطقة سياسيًا وأمنيًا، وبإنشاء إمارة شرق الأردن تحت حكم الأمير عبد الله، بوصفها جزءًا من النظام الإقليمي الذي صاغته بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى، واكتسبت موقعًا استراتيجيًا في إدارة المجال الواقع بين فلسطين والعراق والجزيرة العربية. وبمرور الوقت، بدأت التناقضات التي حملها الانتداب تظهر بصورة أكثر حدة، فقد أدى دعم المشروع الصهيوني إلى زيادة الهجرة اليهودية وشراء الأراضي والاستيطان، في الوقت الذي كان فيه العرب الفلسطينيون يطالبون بالاستقلال وإنهاء الانتداب عبر أشكال النضال والمقاومة الوطنية المتنوعة، والتي بلغت ذروتها في الثورة الفلسطينية الكبرى (1936–1939). ومع تصاعد الصدام، شكلت بريطانيا لجانًا متتالية لمحاولة إيجاد مخرج. وكانت لجنة بيل عام 1937 نقطة تحول مهمة؛ إذ خلصت إلى أن الانتداب أصبح غير قابل للتطبيق واقترحت تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، مع بقاء مناطق أخرى تحت إدارة بريطانية. ثم جاءت لجنة وودهيد عام 1938 لدراسة إمكانية تنفيذ التقسيم وحدوده وتفاصيله، دون أن ينتهي الأمر إلى تنفيذ المشروع. وفي العام التالي أصدرت بريطانيا الكتاب الأبيض لعام 1939، الذي شكل تراجعًا مهمًا عن السياسة السابقة، وجاء في سياق تصاعد الضغط الفلسطيني وتغير الحسابات البريطانية في المنطقة، فقد حددت الهجرة اليهودية بـ75 ألفًا خلال خمس سنوات، على أن تتوقف بعد ذلك إلا بموافقة العرب الفلسطينيين، كما وضعت قيودًا على انتقال الأراضي. لكن الكتاب الأبيض جاء في لحظة تاريخية بالغة التعقيد؛ إذ كانت أوروبا تتجه إلى الحرب، وكان اضطهاد اليهود يتصاعد ليتطور لاحقًا إلى المحرقة النازية التي غيرت المشهد العالمي جذريًا. ولم يقبل الفلسطينيون أن تتحول أرضهم إلى الحل الذي تدفع إليه المأساة الأوروبية، بينما رفضت الحركة الصهيونية القيود البريطانية الجديدة. بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت بريطانيا عاجزة عن الاستمرار في إدارة التناقضات المتزايدة في فلسطين، فأحالت القضية إلى الأمم المتحدة، لتنتقل مرة أخرى من الإطار البريطاني إلى الإطار الدولي. وفي 29 نوفمبر 1947، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 181، الذي أوصى بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية ودولة يهودية، مع نظام دولي خاص للقدس، محاولةً إيجاد تسوية دولية لمسألة أصبحت بريطانيا غير قادرة على إدارتها. لكن الخريطة التي خرجت من القرار لم تصبح واقعًا، فبعد انتهاء الانتداب وإعلان قيام إسرائيل في مايو 1948 اندلعت الحرب، وتحول ما كان مرسومًا على الورق إلى واقع مختلف تمامًا. وانتهت الحرب بسلسلة من اتفاقات الهدنة عام 1949، التي نصت بوضوح على أن خطوط الهدنة ليست حدودًا سياسية أو إقليمية نهائية، وإنما خطوط فصل عسكرية مؤقتة لا تمس الحقوق والمطالب النهائية للأطراف. لكن الواقع الذي نشأ على الأرض كان بالغ الاختلاف عن خريطة التقسيم؛ إذ أصبحت إسرائيل تسيطر بعد الحرب على نحو 77 في المائة من مساحة فلسطين الانتدابية، بينما أصبحت الضفة الغربية تحت السيطرة الأردنية، وقطاع غزة تحت الإدارة المصرية، ولم تقم الدولة العربية التي نص عليها قرار التقسيم، وأصبح مئات الآلاف من الفلسطينيين لاجئين. وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات التاريخ الفلسطيني: قرار دولي اقترح دولتين، لكن الحرب أنتجت واقعًا لم تقم فيه الدولة العربية، بينما توسعت الدولة اليهودية إلى مساحة أكبر بكثير من المساحة التي اقترحها قرار التقسيم. ولم تكن خطوط الهدنة مجرد خطوط على الخريطة، فقد أصبحت مع مرور الوقت واقعًا سياسيًا وجغرافيًا جديدًا، رغم أنها لم تكن في الأصل حدودًا نهائية، وهكذا انتقلت القضية من سؤال تقسيم فلسطين إلى سؤال الأراضي التي بقيت خارج إسرائيل، ومصير اللاجئين، والقدس، والدولة الفلسطينية التي لم تولد. ثم جاءت حرب حزيران 1967 لتفتح فصلًا جديدًا باحتلال إسرائيل للضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، إضافة إلى سيناء والجولان. وبذلك أصبحت إسرائيل تسيطر عسكريًا على ما تبقى من الأراضي الفلسطينية التي كانت خارج سيطرتها منذ حرب 1948، إلى جانب احتلالها سيناء والجولان، ودخلت القضية الفلسطينية مرحلة الاحتلال العسكري المباشر للأراضي الفلسطينية التي كانت تحت السيطرة الأردنية والمصرية. وهكذا، إذا نظرنا إلى المسار كله، سنجد أن فلسطين لم تنتقل في لحظة واحدة من السيادة إلى الاحتلال، بل مرت بسلسلة طويلة من التحولات: امتيازات عثمانية محدودة، ثم أفكار ومساعٍ أوروبية، ثم صعود الصهيونية السياسية، ثم اعتراف بريطاني بالمشروع الصهيوني، ثم انتداب دولي، ثم فصل شرق الأردن، ثم لجان التقسيم والكتاب الأبيض، ثم قرار أممي بالتقسيم، ثم حرب 1948، ثم هدنة كرست واقعًا جديدًا، وأخيرًا حرب 1967 التي وضعت بقية الأراضي الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي. وهنا ربما تكمن القضية الأهم: لم تكن المشكلة في غياب القرارات الدولية، بل في الفجوة بين القرار والقدرة على تنفيذه، فكل مرحلة أنتجت إطارًا جديدًا، لكن القوة على الأرض كانت قادرة في كل مرة على إعادة تشكيل النتائج. ولهذا فإن قراءة التاريخ الفلسطيني لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال: من أصدر القرار؟ بل يجب أن تمتد إلى سؤال أكثر صعوبة: من كان يملك القدرة على تحويل القرار إلى واقع، ومن كان يملك القدرة على تغييره بعد صدوره؟ فبين وعد بلفور وقرار التقسيم، وبين قرار التقسيم وحرب 1948، وبين خطوط الهدنة وحرب 1967، تتكرر المفارقة نفسها: قرارات دولية ترسم خرائط، وقوى على الأرض تعيد رسمها. ومن هنا يصبح فهم الماضي ضروريًا لفهم الحاضر؛ فإذا كان المجتمع الدولي يتحدث اليوم مرة أخرى عن حل الدولتين، فإن السؤال لا يتعلق فقط بعدالة الفكرة أو اتساع التأييد لها، وإنما بقدرته على منع تكرار التاريخ نفسه: أن يصدر القرار، ثم تتولى القوة تحديد ما يبقى منه على الأرض.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
التعليقات (0)