لطالما حضرت أفريقيا في قصة التكنولوجيا العالمية بوصفها السوق التي تنتظر أن تصلها التكنولوجيا، لا المكان الذي تُبنى فيه بنيتها التحتية. لكن هذه الصورة تبدو اليوم أقل ثباتا، فمع دخول العالم مرحلة جديدة من اقتصاد الذكاء الاصطناعي، حيث لم تعد الخوارزميات وحدها مصدر القوة، وإنما أصبحت الطاقة والكابلات ومراكز البيانات والقدرة على تشغيل آلاف وحدات المعالجة عناصر إستراتيجية في المنافسة، بدأت جغرافيا التكنولوجيا في التغيّر.
وفي هذه الجغرافيا الجديدة، قد لا يكون موقع أفريقيا هامشيا كما كان ينظر إليه. فشمال القارة يجلس على أحد أهم تقاطعات البيانات والطاقة بين أفريقيا وأوروبا، كابلات بحرية تعبر المتوسط، ومشاريع لربط شبكات الكهرباء، وأراض وطاقة متجددة، إلى جانب محاولات متسارعة لإنشاء مراكز بيانات قادرة على استضافة أعباء الحوسبة المتزايدة للذكاء الاصطناعي.
لكن امتلاك هذه المقومات لا يعني بالضرورة امتلاك اقتصاد الذكاء الاصطناعي. فبين القدرة على استضافة الحوسبة، والقدرة على تحويلها إلى شركات ومنتجات وخدمات وقيمة اقتصادية محلية، توجد طبقات أخرى من رأس المال والمهارات والبرمجيات والطلب والأسواق.
في تونس، يصل كابل "فيا تونيزيا " (ViaTunisia) بين بنزرت ومرسيليا إلى الجاهزية للخدمة، بينما يجري التخطيط لمركز بيانات بقدرة 20 ميغاواطا في بنزرت يعتمد على الطاقة المتجددة.
وعلى الجانب الآخر من المغرب، يصل مشروع "ميدوسا" (Medusa) إلى الناظور، بالتوازي مع خطط لإنشاء مراكز بيانات ضخمة تستهدف، من بين أسواق أخرى، الطلب الأوروبي على الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتقدم مشروع "إلميد" (ELMED) لإنشاء أول رابط كهربائي بحري بين تونس وأوروبا.
قد تبدو هذه المشاريع منفصلة للوهلة الأولى، كابل هنا، ومركز بيانات هناك، وخط كهرباء في البحر المتوسط. لكن جمعها يكشف عن معادلة واحدة، فالبيانات تحتاج إلى كابلات، والذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قدرة حاسوبية، ومراكز البيانات التي توفر هذه القدرة تحتاج إلى كميات هائلة من الطاقة.
التعليقات (0)