إذا كان الماء يبدأ من دمشق كما قال نزار قباني، فدمشق تبدأ من قاسيون وتنتهي إليه؛ ممتدة بين كفه امتداد التاريخ، المتسع اتساع الماء والدم في تاريخ سوريا القديم والحديث. فلكل صوت في دمشق نبع ورجع صدى في قاسيون، صوت الأرض العابر للقرون، والجبل الذي أدمن الوقوف منذ أن افتر وجهُ الأرض عن الشام.
تنأى دمشق ارتفاعا في شغاف الزمان، واخضلالا في حدائق التاريخ، لكنها ترى في قاسيون الأب والحارس الذي لا تنفر إلا إليه، ولا تتطاول إلى لتغفو في مهاد من حرير سفوحه، تلقي إليه بأسرارها، وتستودع صمتها قصة الخليقة وتاريخ النشأة، ومبتدأ الدنيا وخبر العصور، مدينة لم تعرف الرتابة منذ أن خلقها الله، كانت دائما فؤاد الأيام وسرة الدنيا، ومنارة التاريخ ووجهة الصراع، ومأوى النازح وهي بين يدي جبلها الحارس؛ أصغر بما يكفي لتحيط بها عين من ترقى إلى القنة الشماء، غير أنها أكبر من أن تحيط بها كلمات التاريخ.
كان منذ أن استقر سفحه في جلسة الواعظ، وانهماك الراهب، يبصر الدنيا، بأحلامها وزعازعها، يرى قوافل القرون والدول والملوك والأعصار، تدخل دمشق وتغادرها، وبين المغارات الغائرة في ضلوعه، احتضن الفارين من لهب الدنيا وعذاب القصور إلى سعة النسك والتزهد، والمستعيذين بغوره المظلم العتيق من فتكات الأيام وأوتار الأضغان، يبصر الدنيا محترقة، ثم يأويها بين أجنحة الصخر، ليعيدها نشأتها الأولى مدينة ولدت من الدم، واغتسلت به، وتوضأ على صخورها الأنبياء والصالحون والرهبان، وتناثرت عليها صفحات الأيام تاريخا وفنا وحضارة وأزمات وكوارث.
يحمل قاسيون في صخوره تاريخ الأسطورة، وبين سفوحه ومغاراته، ذاكرة الدين، وعلى قممه أسرار الحروب والصراعات، وفي سفحه دمشق، وكفى بذلك من أعباء التاريخ وثراء الأيام، ومن كل ذلك تبدأ قصة من قصص دمشق.
وإذا استعار قاسيون من نظيره الأندلسي أبيات ابن خفاجة، لربما قال إن الجبال، وإن اختلفت أوطانها، تتشابه في الشموخ وفي مراقبة تقلبات الزمان:
وأرعن طماح الذؤابة باذخ … يطاول أعنان السماء بغارب
التعليقات (0)