الإثنين 14 سبتمبر 2026 8:55 صباحًا - بتوقيت القدس
تتصاعد في أوساط قيادية فلسطينية أصوات تدعو إلى تأجيل الانتخابات التشريعية المقررة في الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، مستندة إلى تعقيدات الواقع وصعوبة الظروف. لكن في الجهة المقابلة، يتمسك ملايين الفلسطينيين ببصيص الأمل الذي أطلقه المرسوم الرئاسي الداعي إلى إجراء الانتخابات في موعدهااسمح لي أن أكون صوتًا لكل الذين يتعذر عليهم إيصال أصواتهم إليك؛ صوت الشباب الذين ينتظرون فرصة للمشاركة في صناعة مستقبلهم، والنساء اللواتي يطالبن بمكانهن المستحق في الحياة العامة، وأبناء غزة الباحثين عن نهاية للحرب والدمار، وأبناء الضفة الغربية والقدس والشتات الذين سئموا الانقسام والجمود وفقدان القدرة على التأثيرمنذ صدور قرار إجراء الانتخابات، تفاعل ما يقارب مليوني فلسطيني معه بأمل كبير، وسجلوا أسماءهم للمشاركة، بما يقترب من 90% من أصحاب حق الاقتراع. قد تشير استطلاعات الرأي إلى أن أغلبية فلسطينية واسعة، تقارب 80%، لا توافق على سياسات السلطة القائمة وتطالب بالتغيير، لكن هناك حقيقة أخرى لا تقل وضوحًا: الغالبية الساحقة من أبناء شعبنا تقف اليوم خلف قرارك بإجراء الانتخابات في موعدهاقد يكون هذا القرار الأكثر شعبية وتأييدًا جماهيريًا في مسيرتك السياسية والوطنية؛ ليس لأنه يضمن نتيجة لطرف بعينه، بل لأنه يعيد القرار إلى الشعب، ويمنحه حق اختيار ممثليه ومحاسبتهم وتجديد شرعيتهمإن إجراء الانتخابات ليس إجراءً إداريًا، ولا محطة بروتوكولية في حياة نظام سياسي. إنه حدث تاريخي يمكن أن يوحّد شعبًا مزقه انقسام طويل، ويعيد إلى السياسة الفلسطينية فاعليتها، ويفتح أبواب مؤسساتها أمام دماء جديدة وأجيال حُرمت طويلًا من المشاركةسيسجل التاريخ أنك الرئيس الذي اتخذ هذا القرار في واحدة من أصعب مراحل القضية الفلسطينية وأكثرها تعقيدًا. وستكون أنت الرئيس الذي يخاطب المجلس التشريعي المنتخب في جلسته الأولى، ويكلّف حكومة جديدة منبثقة عنه؛ حكومة وحدة وطنية غابت عنا طويلًا، وحكومة تتولى إعادة إعمار غزة وإعادة الكرامة الإنسانية إلى أبنائها الذين يستعدون لاستقبال شتائهم الثالث بين الخيام والركام.يحتاج الفلسطينيون إلى حكومة تقدم لهم أكثر من الشعارات: حكومة تحسن حياتهم، وتحمي حقوقهم، وتستعيد ثقة العالم بهم، وتفتح أبواب الانفراج المالي والسياسي، وتعيد بناء مؤسساتهم على أساس القانون والمساءلة والشرعية الشعبية.لقد نجحت مؤخرًا في رعاية إجراء الانتخابات المحلية، وفي تمكين حركة «فتح» من عقد مؤتمرها وانتخاب لجنتها المركزية، كما أُتيحت لشبيبة «فتح» فرصة انتخاب قيادتها. وكنتُ واحدًا من أبناء تلك الشبيبة عندما التقيتك للمرة الأولى بعد عودتك إلى رام الله في تسعينيات القرن الماضي. وكما نجحت تلك الاستحقاقات، فإنك قادر على حماية الاستحقاق الأهم وإتمامه في موعده.أما الأصوات القيادية التي تنصح اليوم بتأجيل الانتخابات بحجة الظروف، وتجتهد في تقديم سيناريوهات بديلة و«خطط باء»، فهي في كثير من الحالات الأصوات ذاتها التي قدمت النصائح نفسها عام 2021. أُجّلت الانتخابات حينها، لكن أيًا من البدائل الموعودة لم يتحقق. وبينما كانت «الخطة باء» الفلسطينية مجرد وعود وتأجيلات، كانت خطط أخرى تُحاك بعيدًا عن أعيننا، ثم انفجرت في وجوهنا جميعًا في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ودفع شعبنا أثمانها الكارثية.إن أخطر ما يمكن فعله اليوم هو إعادة إنتاج الخطأ ذاته: إلغاء المسار السياسي من دون تقديم بديل ديمقراطي موثوق، وترك الفراغ يتسع حتى تملأه قوى التطرف والفوضى والعنف. فحين تُغلق صناديق الاقتراع، تُفتح أبواب اليأس، وحين يُحرم الشباب من تغيير واقعهم عبر السياسة، يصبح المجتمع كله أكثر عرضة للزلازل القادمة.لا توجد ظروف مثالية لإجراء الانتخابات، خصوصًا في الحالة الفلسطينية. وإذا جعلنا اكتمال الظروف شرطًا للديمقراطية، فلن تُجرى انتخابات أبدًا. التحديات المتعلقة بغزة والقدس والانقسام والاحتلال حقيقية، لكنها أسباب إضافية للتمسك بالانتخابات والعمل على إنجاحها، وليست مبررات لإلغائها.أما القدس، فلا ينبغي أن تكون مرة أخرى ذريعة لتعطيل الإرادة الفلسطينية. علينا أن نخوض معركة إجراء الانتخابات فيها بكل الأدوات السياسية والقانونية والدبلوماسية والاهم التكنولوجية المتاحة. وإذا وضعت بعض الجهات داخل اسرائيل العراقيل، فيجب أن نواجهها بحلول مبتكرة تضمن مشاركة المقدسيين، بدلًا من منح هذه الجهاتوفي إسرائيل حق النقض على الحياة الديمقراطية الفلسطينية بأكملها.لقد كنتُ من الأصوات التي انتقدت وعارضت سياسات السلطة في مناسبات كثيرة، وعبرت عن مواقفي بوضوح عبر منابر فلسطينية وعربية ودولية. لكنني أقف اليوم، مع الغالبية الساحقة من أبناء الشعب الفلسطيني، إلى جانبك وخلف قرارك بإجراء الانتخابات في موعدها.هذا ليس اصطفافًا سياسيًا خلف شخص أو حزب، بل وقوف إلى جانب حق الشعب الفلسطيني في الاختيار، وإلى جانب الشرعية والديمقراطية والتغيير السلمي.إن تمسّكك بهذا القرار، حتى لو وقفت وحيدًا في مواجهة الضغوط والحسابات والمصالح، سيمنح ملايين الفلسطينيين سببًا جديدًا للإيمان بأن السياسة ما زالت قادرة على تغيير حياتهم.وحين تقف أمام المجلس التشريعي المنتخب في جلسته الأولى، ستسمع تصفيقًا ربما لم تسمع مثله طوال مسيرتك الوطنية؛ تصفيقًا لا تصنعه المجاملة أو البروتوكولات، بل ينبع من قلوب استعادت الأمل، ومن شعب سيحترم أنك أعدت إليه حقه في تقرير مستقبله.سيادة الرئيس ...لا تسمح لأحد بأن يطفئ بصيص الأمل الذي أشعلته. لا تسلّم مستقبل شعبنا إلى أصحاب الأعذار والخطط البديلة التي جُرّبت وفشلت. تمسّك بالثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني، واجعله موعدًا مع التاريخ، لا موعدًا مؤجلًا آخر. * قائمة «مسار جديد» للانتخابات التشريعية
سيادة الرئيس محمود عباس: لا تلغِ قرارك الأكثر شعبية ولا تُطفئ آخر بصيص للأمل
اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)