الإثنين 14 سبتمبر 2026 9:00 صباحًا - بتوقيت القدس
في الضفة الغربية، حيث تضيق الجيوب قبل أن تضيق الحياة، وحيث أصبح الراتب نصف راتب، والقسط قسطين، والدَّين أثقل من قدرة صاحبه على الاحتمال، خرجت مبادرة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها في معناها أكبر من المال: «التنازل لله».أهلٌ يتنازلون عن ديون مستحقة لهم، وآخرون يسقطون أقساطاً أو مطالبات، وغيرهم يفتحون أبواب المسامحة في وقتٍ كان يمكن لكل واحد منهم أن يقول: «وأنا أيضاً محتاج». إنها صورة نادرة لشعب يعيش الأزمة نفسها، لكنه يقرر أن يخففها عن بعضه بعضاً.الملايين التي جرى التنازل عنها ليست مجرد أرقام في دفاتر الحسابات. خلف كل مبلغ قصة، وخلف كل دين أسرة، وخلف كل تنازل إنسان كان يستطيع أن يتمسك بحقه، لكنه اختار أن يمد يده بالعفو.وهنا تكمن المفارقة الفلسطينية الكبرى: في الوقت الذي تعجز فيه الرواتب عن الوفاء بالالتزامات، ويزداد الضغط الاقتصادي على الموظفين وأصحاب المهن والتجار والأسر، يظهر نوع آخر من الاقتصاد لا تحكمه البنوك ولا الفوائد ولا جداول السداد؛ اقتصاد الرحمة.قد يبدو التنازل عن المال خسارة في لغة الحسابات، لكنه في لغة المجتمع ربح من نوع آخر. فمن أسقط ديناً عن محتاج لم يخسر فقط مبلغاً، بل كسب إنساناً، وحفظ أسرة من الانكسار، وأبقى باب التكافل مفتوحاً في مجتمع أنهكته الأزمات.والأجمل أن «التنازل لله» لا يقول إن الناس لم تعد بحاجة إلى المال؛ على العكس، كثير ممن يتنازلون هم أنفسهم يعيشون ضيقاً حقيقياً. لكنهم يعرفون أن هناك لحظة يصبح فيها التشبث بالمال أقل قيمة من إنقاذ إنسان من ثقل الدين.هذه ليست دعوة لإسقاط الحقوق، ولا لإلغاء الالتزامات، ولا لتحميل الناس ما لا يستطيعون. إنها تذكير بأن المجتمع الذي يترك أفراده وحدهم أمام الأزمات يتحول إلى مجموعة من الحسابات المتجاورة، بينما المجتمع الذي يتكافل يتحول إلى بيت كبير.وفي فلسطين، لطالما كان البيت أكبر من جدرانه. كان الجار سنداً لجاره، والقريب عوناً لقريبه، والغني يفتح يده حين تضيق يد الفقير. لكن الأزمات المتلاحقة جعلت كثيراً من هذه القيم تحت ضغط شديد، فجاءت هذه الحملة لتقول إن المال، مهما اشتدت الحاجة إليه، لا ينبغي أن ينتصر دائماً على الإنسان.«التنازل لله» في جوهره ليس حملة أرقام، بل حملة لاستعادة شيء فقدناه تحت ضغط الحياة: أن يشعر الإنسان أن له ظهراً حين ينحني تحت ثقل الدين.ولعل الرسالة الأهم هنا ليست لمن تنازل فقط، بل لمن يراقب المشهد كله: لا تنتظروا دائماً مؤسسة أو جهة أو قانوناً كي ينقذ المجتمع نفسه. أحياناً يبدأ الإنقاذ من قرار شخص واحد أن يقول: «سامحت».وفي بلدٍ أنهكته السياسة والاقتصاد والحصار المالي، قد لا نستطيع أن نعيد للناس رواتبهم كاملة، ولا أن نمحو كل أزماتهم، ولا أن نفتح أبواباً أغلقتها الظروف، لكننا نستطيع أن نخفف عن بعضنا.فلسطين لا تزال تملك ثروة لا تظهر في ميزانيات البنوك: قلوباً تعرف متى يكون المال حقاً، ومتى يكون العفو أعظم من الحق.وحين يتنازل صاحب المال عن جزء من حقه لله، لا يصبح الفقير أغنى بالمال فقط؛ يصبح المجتمع كله أغنى بالرحمة.في زمنٍ صار فيه كل شيء له ثمن، أثبت أهل الضفة أن هناك أشياء لا تُشترى: أن تسقط دَين إنسان، أن تحفظ كرامته، وأن تقول له ببساطة: لا تدفع... فقد سامحتك لله.
حين يعجز الراتب... يتكفّل الناس بالرحمة
اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)