f 𝕏 W
حين يتفوق المعدل ويتعثر الفهم.. ماذا تقول بيزا عن تعليمنا؟

جريدة القدس

سياسة منذ 49 دق 0 8 د قراءة
زيارة المصدر ←

حين يتفوق المعدل ويتعثر الفهم.. ماذا تقول بيزا عن تعليمنا؟

قارن التغطية هذا الخبر نُشر في 2 مصادر مختلفة — اطّلع على كل التغطيات جنباً إلى جنب جديد: مرايا الأخبار — كيف اختلفت صياغة المصادر بالذكاء الاصطناعي

الإثنين 14 سبتمبر 2026 9:01 صباحًا - بتوقيت القدس

في صباح إعلان نتائج التوجيهي تتحول فلسطين إلى شاشة كبيرة. أسماء تلمع. صور تملأ الهواتف. ومعدلات تقترب من الكمال حتى يبدو أن المسافة بين الطالب والعبقرية قد اختصرت إلى كسر عشري.في عام 2026 أعلنت وزارة التربية أن نسبة النجاح العامة بلغت 74 بالمئة في الضفة الغربية بما فيها القدس وطلبة الخارج، فيما لم تكن النسبة الخاصة بقطاع غزة قد أعلنت في ذلك البيان. وفي عام 2025 وصل معدل الأول في الفرع العلمي إلى 99.7 بالمئة، ومعدل الأولى أو الأوائل في الفرع الأدبي إلى 99.6 بالمئة. وفي عام 2023 تقدم لامتحان الثانوية العامة 87826 طالبا وطالبة، كما كرمت الوزارة أوائل الفروع. وفي عام 2022 بلغت نسبة النجاح العامة 68.12 بالمئة. وفي غزة جرى تكريم 770 طالبا وطالبة ممن حصلوا على 97.4 بالمئة فأعلى.هذا الفرح مشروع. وكل طالب وصل إلى القمة يستحق التقدير. لكن خلف الزغاريد سؤال لا يظهر في الصورة. كيف يمكن أن تجتمع هذه المعدلات المرتفعة مع النتائج التي ظهرت في بيزا؟قبل الإجابة، يجب الاعتراف بمفارقة تحمل سخرية المشهد كله. نحن نعرف أسماء الأوائل ومعدلاتهم وصورهم. لكننا لا نملك، في المصادر الرسمية المفتوحة التي يمكن الوصول إليها بسهولة، سلسلة وطنية موحدة تبين عدد من حصلوا على 90 بالمئة أو 95 بالمئة فأعلى في كل عام، وتوزيع هذه المعدلات بين الفروع والمناطق والدورات.وفي عام 2026، فإن نسبة 74 بالمئة ليست نسبة وطنية نهائية؛ فهي تخص الضفة الغربية بما فيها القدس وطلبة الخارج، بينما كانت النسبة الخاصة بغزة مؤجلة. كأننا نتقن صناعة لحظة التفوق قبل أن نمتلك دائمًا الصورة الإحصائية الكاملة عنه.ثم جاءت نتائج بيزا 2025. لم تحمل باقة ورد إلى حفلة المعدلات. وضعت مرآة على الطاولة وسألت سؤالا مختلفا. ماذا يستطيع الطالب أن يفعل بما تعلمه حين تتغير صيغة المسألة، ولا يجد الإجابة في الصفحة التي حفظها؟يقيس برنامج بيزا قدرة طلبة في سن الخامسة عشرة على استخدام معارفهم ومهاراتهم في القراءة والرياضيات والعلوم لمواجهة مواقف واقعية. وهو لا يقيس كل جوانب الذكاء أو التفكير النقدي أو التواصل، لكنه يختبر جوانب مهمة من الفهم والتطبيق والاستدلال ونقل المعرفة إلى أسئلة جديدة.في دورة 2025 بلغ متوسط طلبة السلطة الفلسطينية، وفق تسمية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، 354 نقطة في الرياضيات، و350 في القراءة، و359 في العلوم. ولإجراء مقارنة أكثر عدلا، أعادت المنظمة احتساب نتائج 2022 وفق نطاق التغطية نفسه المستخدم في 2025. كانت القيم المقارنة 372 نقطة في الرياضيات، و356 في القراءة، و376 في العلوم. أي إن النتيجة انخفضت 18 نقطة في الرياضيات و17 نقطة في العلوم، بينما بقيت القراءة عند مستوى قريب من 2022، ولم يكن تغيرها ذا دلالة إحصائية وفق وصف المنظمة 1.المتوسطات لا تروي القصة كلها. المستوى الثاني في بيزا هو بداية الكفاءة الأساسية في المقياس الدولي. وفي عام 2025 بلغ عدد من وصلوا إلى هذا المستوى أو تجاوزه 17 بالمئة فقط من الطلبة في الرياضيات، و22 بالمئة في القراءة، و24 بالمئة في العلوم. وكانت متوسطات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 65 بالمئة و69 بالمئة و74 بالمئة على الترتيب 1.وهذا يعني أن نحو أربعة من كل خمسة طلبة بقوا دون المستوى الثاني في الرياضيات والقراءة، وأن نحو ثلاثة من كل أربعة بقوا تحته في العلوم. لكنه لا يعني أن هؤلاء الطلبة «راسبون» في التوجيهي، ولا أن النسبة قابلة للمقارنة الحسابية المباشرة مع نسبة النجاح في امتحان وطني مختلف.وعند قمة السلم تصبح المفارقة أشد. قالت المذكرة الرسمية إن عدد من بلغوا مستويات الأداء العليا يكاد لا يذكر في المجالات الثلاثة. لم تنشر المنظمة في المذكرة المختصرة نسبة فلسطينية دقيقة لهذه الفئة. لذلك لا يجوز تحويل العبارة إلى صفر. لكن الوصف يكفي كي يعيد السؤال نفسه إلى الواجهة. أين يذهب التفوق حين تتغير طبيعة المهمة؟لا يقيس التوجيهي وبيزا الشيء نفسه. وهذه حقيقة يجب ألا تضيع في الحماسة. التوجيهي امتحان وطني يرتبط بمنهاج ومسار دراسي ويؤديه الطالب في نهاية المرحلة الثانوية. أما بيزا فيختبر عينة من الطلبة في فئة عمرية محددة، ويطلب منهم استخدام المعرفة في مواقف جديدة.ولا تقارن النتائج المعروضة الطلبة أنفسهم أو الفوج نفسه. فمعدل 99.7 في التوجيهي يعود إلى طلبة في نهاية المرحلة الثانوية، بينما تعود نتائج بيزا إلى طلبة في سن الخامسة عشرة، كما أن الأرقام المذكورة تتوزع على أعوام مختلفة. لذلك لا يصح أن نقول إن الطالب الذي حصل على 99.7 سوف يتعثر بالضرورة في بيزا، أو إن نتائج بيزا تثبت أن أصحاب المعدلات المرتفعة لا يفهمون.المقارنة هنا ليست حسابية. هي تربوية.التوجيهي يسأل، بحكم ارتباطه بالمقرر ومواصفات الامتحان، عما أتقنه الطالب داخل مساره الدراسي. وقد تكافئ بعض أسئلته الدقة في استعادة المعرفة وتطبيق الإجراء المعروف. أما بيزا فيسأل عما يستطيع الطالب أن يفعل حين يغيب شكل السؤال المألوف. الأول قد يكافئ معرفة الطريق المقرر. والثاني يختبر قدرة الطالب على استخدام ما يعرفه حين يحتاج إلى بناء الطريق بنفسه.لكن هذه ليست نتيجة تثبت أن الحفظ وحده هو سبب الفجوة. فقد تسهم فيها عوامل أخرى: اختلاف العمر والفوج، اختلاف المناهج واللغات وسياق الأسئلة، التغطية الجغرافية، الدافعية والظروف الاختبارية، الانقطاع التعليمي، والفروق في التدريب على أنواع المهام. لا نستطيع أن نختار سببا واحدا من الأرقام وحدها.ومع ذلك، تبقى الفرضية التربوية مشروعة. إذا كان طالبنا ينجح بسهولة أكبر حين يعرف الطريق مسبقا، ويتعثر حين يحتاج إلى تفسير مسألة جديدة أو بناء نموذج لها، فقد تكون المشكلة في نوع التدريب الذي تلقاه وفي نوع النجاح الذي تعلم أن يطارده، لا في ذكائه أو إمكاناته.هنا تظهر السخرية الهادئة. قد نعلم الطالب سنوات كيف يجتاز الامتحان، ثم نفاجأ حين يواجه امتحانا يقيس كيف يتعامل مع المشكلة. نضع السؤال في قالب ثابت. نريه نماذج الإجابة. ندربه على الكلمات المفتاحية. ثم نطلب منه فجأة أن يقرأ نصا مركبا، أو يبني نموذجا رياضيا، أو يقرر إن كان استنتاج علمي مدعوما بالدليل.وعندما يتردد نسأل بدهشة: ماذا حدث للمتفوق؟ لم يحدث شيء للمتفوق. لقد تغير تعريف التفوق أمامه.الرقم 99.7 جميل. لكنه لا يحمل شهادة تلقائية على التفكير النقدي أو القراءة العميقة أو القدرة على نمذجة موقف جديد. وهذا لا ينتقص من جهد صاحبه. بل يحميه من أن نحمله ما لا تحتمل علامة. الطالب المتفوق يستحق نظاما يوسع قدراته، لا نظاما يختصره في رقم ثم يتركه يكتشف وحده أن العالم لا يقدم أسئلته بنمط محفوظ.وتكشف بيانات 2025 أن تراجع الكفاءة ليس صدفة بعد مواءمة نطاق المقارنة مع 2022 زادت نسبة منخفضي الأداء سبع نقاط مئوية في الرياضيات، وأربع نقاط في القراءة، وثماني نقاط في العلوم 1.شارك في التقييم 9648 طالبا في 319 مدرسة، ومثلت العينة نحو 50400 طالب في سن الخامسة عشرة، أي ما يقارب 54 بالمئة من إجمالي السكان في هذه الفئة العمرية. وقد اعتبرت المنظمة البيانات صالحة للنشر، لكنها نبهت إلى أن النتائج لا تغطي المدارس الأكثر تأثرا بالنزاعات المتطورة في المنطقة على نحو كامل. لذلك فهذه ليست محكمة تصدر حكما نهائيا على كل طفل فلسطيني، لكنها إشارة واسعة تخص السكان المشمولين بإطار العينة، ولا يجوز إسكاتها بالقول إن الاختبار لا يشبه امتحاناتنا.هذا هو جوهر المسألة. لماذا لا يشبه ما نعلمه دائما ما يطلبه الفهم خارج قاعة الامتحان؟ ولا يكفي أن نضع عدة أسئلة شبيهة ببيزا في آخر الكتاب ثم نحتفل بالتحديث. الإصلاح يبدأ من العلاقة بين المنهاج والتدريس والتقييم. يجب أن تصبح القراءة بحثا عن الفكرة والحجة، لا عن كلمة مطابقة. وأن تصبح الرياضيات لغة لتمثيل الواقع، لا وصفة تستدعى عند ظهور عبارة محفوظة. وأن تصبح العلوم ممارسة للسؤال والدليل، لا خزانة تعريفات.ويجب أن يتغير الامتحان نفسه كي يكافئ الفهم والتفسير والتطبيق، من دون أن يلغي المعرفة الأساسية التي يحتاجها كل تفكير عميق. لا نحتاج إلى استبدال الحفظ بالفهم، كأنهما خصمان. نحتاج إلى معرفة تُستعمل، وفهم يستطيع أن يعمل، وتقييم لا يكافئ استعادة الإجابة وحدها. نحتاج كذلك إلى شفافية أكبر في نتائج التوجيهي. من حق المجتمع أن يعرف كل عام عدد المتقدمين والناجحين، وتوزيع المعدلات وفق فئات ثابتة. من هم فوق 90 بالمئة؟ ومن هم فوق 95 بالمئة؟ وكيف تتغير هذه النسب بين الفروع والمناطق والسنوات والدورات؟ عدد الأوائل لا يجيب عن هذه الأسئلة. والصورة الجماعية لا تعوض البيانات الإحصائية مهما كانت أكثر دفئاً.أما السؤال البحثي الذي يستحق أن يدخل الجامعات ومراكز القياس فهو بسيط وقاس: ماذا يفعل أصحاب المعدلات المرتفعة عندما تقدم لهم مهام لا تشبه دفاتر المراجعة؟نحتاج إلى دراسة تربط أداء عينة من طلبة المرحلة الثانوية بمهمات تقيس نقل المعرفة والاستدلال وحل المشكلات. ويجب أن تراعي هذه الدراسة العمر والفوج والفرع والمنطقة والجنس والوضع الاجتماعي الاقتصادي والانقطاع التعليمي. عندها نستطيع أن نعرف أين ينتهي أثر شكل الامتحان، وأين يبدأ أثر الفهم، بدل أن نفترض الإجابة قبل قياسها.لا تقول نتائج بيزا إن الطالب الفلسطيني أقل قدرة. ولا تقول معدلات التوجيهي إن النجاح وهم. تقول النتائج إن لدينا مقياسَين ينظر كل منهما إلى جزء مختلف من التعلم. لكن المسافة بينهما أوسع من أن نمر عنها بصمت. وربما لا تكون المشكلة في كثرة المتفوقين، وربما لا تكون في المعدل نفسه، ربما تكون في ضيق تعريفنا للتفوق، وفي اعتقادنا أن علامة واحدة تستطيع أن تحمل كل معنى التعلم.حين تنتهي حفلة النتائج وتغلق الكاميرات يبقى أمام المدرسة سؤال واحد: هل نريد طالباً يعرف كيف يصل إلى الإجابة التي ينتظرها المصحح؟ أم نريد إنساناً يستطيع أن يقرأ العالم ويفهمه، ويختبر أدلته، ويعيد بناء طريقه حين لا تكون الإجابة مطبوعة في آخر الكتاب؟وهنا يعود السؤال الذي بدأ خلف الزغاريد، أكثر هدوءاً هذه المرة، وأكثر إلحاحاً. كيف يمكن أن تجتمع هذه المعدلات المرتفعة مع هذه النتائج في بيزا؟

حين يتفوق المعدل ويتعثر الفهم.. ماذا تقول بيزا عن تعليمنا؟

اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)