الإثنين 14 سبتمبر 2026 9:02 صباحًا - بتوقيت القدس
لم تكن الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023 حربا على غزة وحدها. فمنذ أيامها الأولى بدا أن ما يجري يتجاوز حدود القطاع، وأن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوة والتحالفات. لم يخفِ نتنياهو رغبته في "تغيير الشرق الأوسط"، وسرعان ما امتدت المواجهة إلى لبنان وسوريا واليمن وإيران، قبل أن تصل إلى مستوى مباشر بين الولايات المتحدة وإيران. وهكذا تحولت الحرب إلى لحظة كاشفة لتحولات إقليمية كانت تتشكل منذ سنوات.تأتي هذه التحولات في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة نظاما دوليا أكثر تنافسية. الصين تتقدم اقتصاديا وتقنيا، وروسيا تستعيد بعض حضورها، والقوى الإقليمية تسعى إلى هامش أوسع من الاستقلال. ولذا تركز الولايات المتحدة على إعادة إنتاج هيمنتها وتفردها في قيادة النظام العالمي. من هذه الزاوية، تحتفظ منطقتنا بأهمية استثنائية؛ بسبب الموقع الجغرافي ومصادر الطاقة فيها، والممرات الاستراتيجية، وبسبب المكانة التي تحتلها إسرائيل في الاستراتيجية الأمريكية.في هذا السياق، يمكن فهم الملامح الأساسية للرؤية الأمريكية للشرق الأوسط كما تسربت في وسائل الاعلام. فهي تقوم على 3 مرتكزات: احتواء إيران، إدماج إسرائيل في المنظومة الإقليمية، وإعادة ترتيب غزة ضمن تصور أوسع للأمن والاقتصاد والاستثمار. ففي الحالة الإيرانية لا يبدو الهدف مقتصرا على منع امتلاك السلاح النووي، بل يتجه أيضا إلى تقليص قدرة إيران على التأثير الإقليمي وإضعاف شبكات نفوذها ودفعها بعيدا عن المجال الصيني والروسي. وليس من الضروري أن يتطلب ذلك إسقاط النظام أو احتلال البلاد، فقد يكون الهدف الأكثر واقعية هو الوصول إلى إيران أقل قدرة على المناورة والتأثير.في المقابل، يجري العمل على إدماج إسرائيل في منظومة إقليمية جديدة. فالتطبيع وما سمي "اتفاقات أبراهام" يتجاوزان العلاقات الدبلوماسية المنفصلة نحو بناء شبكة أمنية واقتصادية تصبح فيها إسرائيل طرفا طبيعيا في الإقليم. وتكتسب السعودية أهمية خاصة في هذا المسار، لأن تطبيعها مع إسرائيل يمكن أن يمنحه وزنا عربيا وإسلاميا واسعا.وفي قلب هذا المشروع تأتي غزة. فالإدارة الأمريكية تميل إلى التعامل معها من منظور الصفقات وإعادة الإعمار والترتيبات الأمنية، بينما تُطرح أفكار مثل "ريفيرا غزة" ضمن تصور اقتصادي إقليمي أوسع. بالنسبة لواشنطن، تمتلك غزة بحكم موقعها على المتوسط وصلاتها بمصر وإسرائيل وشرق المتوسط قيمة اقتصادية واستراتيجية يمكن توظيفها في إعادة تشكيل المنطقة، وربما في إعادة توزيع الوجود العسكري الأمريكي وتعزيز أهمية شرق المتوسط وخاصة بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، واحتمالات الانسحاب من الخليج أيضا. ومما يلقي بظلال سوداء على المشهد استمرار محاولات اليمين الإسرائيلي إعادة تعريف مستقبل القطاع بعد سنوات الإبادة. إذ تزداد المخاوف من إعادة الاستيطان، ولا سيما في منطقة غوش قطيف، مع منع أو تقليص الحضور السياسي الفلسطيني، وخلق ظروف تجعل البقاء في غزة أكثر صعوبة، بما يحول الهجرة والاندماج الاقتصادي خارجها إلى خيارات تبدو أكثر قبولا بمرور الوقت.هكذا تتجمع أجزاء المشهد في لوحة واحدة. إيران تحت الضغط، وإسرائيل يجري دمجها إقليميا، والخليج يرتبط بشبكات أمنية واقتصادية أمريكية، فيما تواجه سوريا ولبنان وغزة ترتيبات جديدة. وتصبح الطاقة والتكنولوجيا والاستثمار والممرات الاستراتيجية أدوات لبناء إقليم أكثر ترابطا. لكن واشنطن لا تتحرك في فراغ، فإيران تقاوم، ودول الخليج تنوع علاقاتها، والصين تتقدم، وروسيا لم تغادر المشهد. لذلك ستظل إعادة تشكيل الشرق الأوسط عملية صراع وتفاوض بين قوى متعددة، وليست مشروعا أمريكيا قابلا للتنفيذ بصورة خطية.تبقى فلسطين وقضيتها العقدة الأكثر حساسية. فإدماج "إسرائيل" في المنطقة يحتاج إلى معالجة القضية الفلسطينية بالقدر الذي يسمح للدول العربية بالمضي في مسار التطبيع، بينما يمكن للاستيطان والضم والتهجير في الضفة الغربية أن يعيد إنتاج أسباب الصراع وعدم الاستقرار. ولهذا لا يمكن التعامل مع فلسطين وقضيتها بوصفها تفصيلا مؤجلا أو مجرد عقبة أمام المشروع الإقليمي ينبغي تجاوزها؛ إنها اختبار حقيقي لقدرته على إنتاج استقرار قابل للحياة.لهذا فإن اللحظة الراهنة ليست مجرد نهاية حرب وبداية إعمار، وإنما صراع على شكل المنطقة وموقع فلسطين فيها. والسؤال الفلسطيني لا ينبغي أن يقتصر على من سيحكم غزة أو من سيدفع تكاليف إعادة إعمارها، بل على من يملك حق تحديد مستقبلها، ومن يضع شروط إعادة بنائها، ومن يقرر علاقتها بالضفة الغربية وبالنظام السياسي الفلسطيني كله. فالخطر الحقيقي هو أن تتحول إعادة الإعمار إلى بديل عن إعادة بناء الإرادة الوطنية، وأن يصبح تحسين شروط الحياة وسيلة لإغلاق سؤال الحرية والاستقلال. إن مواجهة التحولات المقبلة لا تكون بمجرد رفض المشروع الأمريكي أو انتظار اتضاح تفاصيله، وإنما بامتلاك رؤية فلسطينية مقابلة، إعادة بناء القوة من أسفل؛ من المجتمع، من التنظيم المحلي، من حماية الناس وصمودهم، ومن إنتاج قيادة جماعية تعبر عن الإرادة الشعبية، وتربط التعافي والإعمار بحق تقرير المصير.
هل تعيد واشنطن رسم خرائط المنطقة؟
اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)