الإثنين 14 سبتمبر 2026 8:53 صباحًا - بتوقيت القدس
لم تدخل منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق أوسلو وهي تجهل طبيعة الصراع أو حجم التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني، ولم يكن قبولها بالمسار السياسي تخليًا عن الثوابت الوطنية أو تفريطًا بحقوق شعبنا، وإنما كان نتاجًا لمسيرة طويلة من النضال والتضحيات، ومحاولة لانتزاع الممكن من واقع الاحتلال، وفتح نافذة سياسية يمكن من خلالها استعادة جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، وبناء مؤسسات وطنية، وتهيئة الطريق أمام حل سياسي ينهي الاحتلال ويعيد لشعبنا حقوقه الوطنية المشروعة.لقد دفعت منظمة التحرير وفصائلها، ومعها الشعب الفلسطيني، أثمانًا باهظة من الدم والمعاناة والنفي والاعتقال والتشريد، حتى انتقلت القضية الفلسطينية من قضية لاجئين إلى قضية شعب له أرض وهوية وحقوق سياسية ووطنية معترف بها دوليًا. ومن الخطأ اليوم أن نقرأ تجربة أوسلو بمعزل عن هذا التاريخ، أو أن نحاكمها خارج الظروف التي نشأت فيها، فالفلسطيني الذي دخل العملية السياسية لم يكن يبحث عن تسوية مجانية، وإنما كان يحاول استثمار ما راكمه من نضال وتضحيات في انتزاع موطئ قدم سياسي على أرض وطنه.وفي هذا السياق، فإن اتفاق أوسلو لم يأتِ من فراغ، بل كان امتدادًا لمنهج سياسي فلسطيني تبلور منذ سبعينيات القرن الماضي، ولا سيما البرنامج المرحلي الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974، والمعروف ببرنامج النقاط العشر، والذي نص على إقامة سلطة وطنية فلسطينية على كل جزء من الأرض الفلسطينية يتم تحريره، باعتبار ذلك خطوة على طريق تحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية. ومن هنا، فإن قيام السلطة الوطنية لم يكن خروجًا على الفكر السياسي لمنظمة التحرير، بل كان تطبيقًا لرؤية مرحلية رأت في تحرير أي جزء من الأرض مكسبًا وطنيًا يجب البناء عليه لاستكمال المسيرة.وعندما وقعت منظمة التحرير وإسرائيل إعلان المبادئ عام 1993، كان الرهان الفلسطيني يقوم على أن تكون المرحلة الانتقالية جسرًا يقود إلى مفاوضات الحل النهائي، بما يشمل القدس واللاجئين والاستيطان والحدود والأمن. وكان يفترض أن تنتهي هذه المرحلة خلال سنوات قليلة إلى تسوية سياسية تنهي الاحتلال وتفتح الطريق أمام قيام الدولة الفلسطينية. لكن ما حدث هو أن إسرائيل، بدل أن تتعامل مع الاتفاق باعتباره طريقًا لإنهاء الاحتلال، تعاملت معه باعتباره فرصة لإدارة الصراع وإطالة أمده، فيما واصلت على الأرض سياسة الاستيطان ومصادرة الأراضي وفرض الوقائع الجديدة.وفي عهد إيهود باراك، وصلت المفاوضات إلى قمة كامب ديفيد عام 2000، لكنها فشلت في التوصل إلى اتفاق نهائي بسبب الخلافات حول قضايا الحل الدائم، وفي مقدمتها القدس والحدود والمستوطنات واللاجئون. ولم يكن ذلك نهاية المطاف، إذ سرعان ما دخلت المنطقة في دوامة الانتفاضة الثانية والتصعيد العسكري، لتبدأ مرحلة جديدة من تدمير ما تبقى من الثقة بالعملية السياسية.ثم جاء أرئيل شارون، فبدل أن يعمل على إنقاذ المسار السياسي، انتقلت إسرائيل إلى سياسة أكثر وضوحًا في الاعتماد على القوة العسكرية والحصار والاجتياحات وتدمير مؤسسات السلطة الوطنية، بينما استمر الاستيطان في ابتلاع الأرض الفلسطينية. وبعد ذلك جاء نتنياهو ليحوّل إفشال التسوية إلى نهج سياسي ثابت، مستفيدًا من الانقسام الفلسطيني ومن غياب الضغط الدولي الفاعل، وماضيًا في توسيع المستوطنات وتهويد القدس وفرض نظام من الوقائع التي تجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة أكثر صعوبة.لقد قدم الجانب الفلسطيني الكثير في سبيل الوصول إلى حل سياسي، وتحملت منظمة التحرير مسؤوليات تاريخية وسياسية وأمنية واقتصادية كبيرة، ولم يكن ذلك حبًا في التنازل أو قبولًا باستمرار الاحتلال، بل اعتقادًا بأن السياسة يمكن أن تفتح طريقًا لإنهاء الاحتلال وتحقيق الحد الأدنى من الحقوق الوطنية. لكن إسرائيل لم تقدم، في المقابل، ما يوازي هذه التضحيات، بل استغلت المرحلة الانتقالية لتغيير الحقائق على الأرض، حتى أصبح الاستيطان أداة لإفشال أي حل سياسي وليس مجرد قضية تفاوضية من قضايا الحل النهائي.ومع ذلك، فإن اختزال المأزق الفلسطيني كله في اتفاق أوسلو ليس قراءة سياسية دقيقة. فقد كان الاتفاق محطة في مسيرة طويلة، وأوجد واقعًا سياسيًا ومؤسساتيًا فلسطينيًا، وأعاد القضية الفلسطينية إلى قلب الاهتمام الدولي، ورسخ حضور منظمة التحرير ممثلًا للشعب الفلسطيني، وفتح أمام الفلسطينيين مساحة سياسية ودبلوماسية وقانونية لا يجوز التفريط بها. ولذلك فإن المطلوب ليس الدخول في معركة شعارات حول إلغاء أوسلو أو التمسك به، وإنما استخلاص دروس التجربة، والحفاظ على ما تحقق من إنجازات، وتصحيح المسار، واستعادة المبادرة الوطنية.وهنا تكمن الحاجة الملحة إلى صياغة برنامج وطني جامع تشارك في بلورته جميع الفصائل والقوى السياسية والاجتماعية الفلسطينية، برنامج يتجاوز الانقسام ولا يلغي التعددية، ويحدد بوضوح الثوابت الوطنية والأهداف السياسية ووسائل النضال، ويضع في مقدمة أولوياته حماية الأرض الفلسطينية ومواجهة الاستيطان ومصادرة الأراضي وتهويد القدس، والحفاظ على وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس باعتبارها مكونات للوطن الفلسطيني الواحد. اذ ان أخطر ما يمكن أن نفعله في هذه المرحلة هو أن ننشغل بالخلافات الداخلية بينما يواصل الاحتلال تنفيذ مشروعه على الأرض بلا توقف.ونحن بحاجة كذلك إلى إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير باعتبارها الإطار الوطني الجامع، والعمل على تطوير مؤسساتها وتجديد برنامجها السياسي بما يتلاءم مع التحولات الإقليمية والدولية، وبما يجمع بين المقاومة الشعبية والسياسية والدبلوماسية والقانونية، ويمنع احتكار القرار الوطني أو تحويل الخلاف السياسي إلى انقسام دائم. فالقوة الفلسطينية لا تكمن في قدرة طرف واحد على فرض رؤيته، وإنما في قدرة الجميع على الالتقاء حول برنامج مشترك يحمي الحقوق ويصون الإنجازات ويجعل من الوحدة الوطنية مصدر قوة في مواجهة الاحتلال.كما أن معركة فلسطين اليوم لا ينبغي أن تبقى محصورة في حدود الجغرافيا الفلسطينية، بل يجب أن تتحول إلى حراك سياسي ودبلوماسي دولي واسع. علينا أن نحشد إلى جانب شعبنا كل القوى والدول والأحزاب والبرلمانات والنقابات ومنظمات المجتمع المدني المناصرة للحقوق الفلسطينية، وأن نحول التعاطف الدولي المتزايد مع قضيتنا إلى مواقف سياسية وقانونية عملية، تضغط من أجل وقف الاستيطان وإنهاء الاحتلال، وتعزز الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وتحمي القدس، وتصون حقوق اللاجئين، وتضع إسرائيل أمام مسؤولياتها بموجب القانون الدولي.إن المطلوب اليوم ليس البكاء على أوسلو، ولا تحويله إلى شماعة نعلق عليها كل إخفاقاتنا، وإنما امتلاك الشجاعة السياسية لاستخلاص العبر. لقد أثبتت التجربة أن إسرائيل تستطيع تعطيل الاتفاقات ما لم تجد أمامها موقفًا فلسطينيًا موحدًا وإرادة دولية قادرة على إلزامها. وأثبتت كذلك أن الانقسام الفلسطيني هو الهدية الأكبر التي يمكن أن يحصل عليها الاحتلال، وأن الوحدة الوطنية ليست شعارًا للاستهلاك السياسي، بل شرط من شروط حماية المشروع الوطني.إن فلسطين أكبر من أوسلو، وأبقى من الحكومات والاتفاقات، وأقوى من الانقسامات. وما نحتاجه اليوم هو أن نعيد ترتيب البيت الفلسطيني، وأن نحافظ على كل إنجاز تحقق بفضل تضحيات شعبنا، وأن نواجه الاستيطان بمشروع وطني وسياسي ودبلوماسي متكامل، وأن نجعل من منظمة التحرير إطارًا جامعًا لكل أبناء شعبنا وقواه السياسية.لقد ناضل شعبنا عقودًا طويلة كي لا تضيع فلسطين، وسقط الشهداء، واعتُقل الأسرى، وتشرد اللاجئون، وبقيت القدس صامدة في وجه محاولات الاقتلاع والتهويد. ومن واجبنا أن نحمل هذه الأمانة بمسؤولية، وأن ندرك أن المعركة لم تكن يومًا بين الفلسطينيين حول اتفاق أو مرحلة، وإنما بين شعب يريد الحرية والاستقلال والعودة، واحتلال يريد تكريس سيطرته وابتلاع أرضه. ولذلك فإن وحدتنا وبرنامجنا الوطني الجامع، إلى جانب حشد أصدقائنا وحلفائنا في العالم، هي الطريق لاستعادة زمام المبادرة، وحماية ما أنجزناه، ومواصلة النضال حتى يتحقق لشعبنا حقه في الحرية والاستقلال وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.*الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس.
أوسلو بين الرهان الفلسطيني وإفشال إسرائيل: نحو استعادة المبادرة الوطنية
د. أحمد رفيق عوض : مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)