لطالما توقف الباحثون الغربيون بإعجاب أمام الإرث العلمي الذي تركه ابن سينا، مشيدين بغنى نصوصه بالمصطلحات الطبية والكيميائية الدقيقة. وقد ذهب الكثير منهم إلى اعتبار علم الصيدلة في ذلك العصر علماً عربياً بامتياز، نظراً لما قدمه ابن سينا من تصنيفات دقيقة للأدوية والأعشاب الطبية في مؤلفاته الموسوعية.
يُعد كتاب 'القانون في الطب' الإنجاز الأبرز لابن سينا، حيث يتألف من خمسة مجلدات تركت أثراً لا يمحى في فن الطب في الشرق والغرب على حد سواء. وما يميز هذا العمل هو المجهود المتواصل الذي بذله 'الشيخ الرئيس' لتفسير الظواهر الصحية بعلل طبيعية، بعيداً عن التفسيرات الغيبية التي كانت سائدة.
لم يكتفِ ابن سينا بتجميع المعارف الطبية السابقة من الحضارات اليونانية والسريانية، بل سعى إلى إغناء العلوم بكشوف أصلية وملاحظات سريرية دقيقة. فحتى في مضمار علم التشريح، قدم أوصافاً لبنية العظام تتفوق في دقتها ووضوحها على ما قدمه جالينوس، رغم القيود التي كانت تفرضها القوانين آنذاك.
بدأ ابن سينا تأليف 'القانون' في جرجان بشمال بلاد فارس، واستكمل رحلة الكتابة أثناء تنقله بين الري وهمذان، مما يعكس إصراره على إتمام هذا المشروع المعرفي الضخم. ويتناول الجزء الأول من الكتاب مفاهيم العناصر والأمزجة وعلم التشريح، بالإضافة إلى طرق التشخيص عبر النبض والبول والبراز.
خصص ابن سينا الجزء الثاني من موسوعته للأعشاب الطبية، حيث صنفها تصنيفاً أبجدياً دقيقاً ووضع مقالاً في الصفات العامة للعقاقير. أما الأجزاء اللاحقة فقد تعمقت في الأمراض الخاصة بكل عضو، والأمراض العامة كالحمى والعدوى، وصولاً إلى صيغ العقاقير المركبة في الجزء الخامس.
طرح ابن سينا رؤية فلسفية وعلمية جديدة لمفهوم الطب، حيث رفض الفصل القاطع بين الجانبين النظري والعملي. وأكد في مقدمة كتابه أن الطب ينقسم إلى علم بالأصول وعلم بكيفية المباشرة، معتبراً أن كلاهما يندرج تحت مظلة العلم الواحد الذي يهدف لحفظ الصحة واستردادها.
التعليقات (0)