الوجه الصاخب والوجه الصامت لخطر واحد
ما نشهده اليوم ليس هيمنة روبوتات على البشر كما تخيلتها السينما في أفلام كثيرة، وإنما نموذج اخر من السيطرة الرقمية، قائم على الأتمتة وتوظيف الذكاء الاصطناعي والخوارزميات في إدارة جوانب كبيرة ومتزايدة من الحياة اليومية، حيث تصبح المجتمعات أكثر خضوعا لأنظمة وشركات وآلات ذكية. لكن فقدان السيطرة على هذه الأنظمة ليس سوى الوجه الصاخب لهذا الخطر، فهو يتطور بشكل سريع نتيجة المنافسة بين الدول الكبرى والشركات الرأسمالية الاحتكارية، بحيث يتعذر على القوانين والمجتمع والهيئات التعليمية مواكبته. وهنا يكمن جوهر المسألة، فالخطر لا يقف عند احتمال خروج هذه الأنظمة عن السيطرة، ذلك أن تطويرها يجري داخل علاقات ملكية ومنافسة رأسمالية شرسة تجعل هذا الخروج أرجح وتضاعف كلفته على الناس. أما وجهه الأخطر فأهدأ بكثير، إذ يسهم الذكاء الاصطناعي، في ظل البنية الرأسمالية التي تطوره وتوجه استخداماته، في تشكيل وعي مليارات البشر وتوجيه انتباههم وسلوكهم بما يخدم منطق النموذج الرأسمالي [1]. كما أن المنافسة بين الاحتكارات الرأسمالية الرقمية والدول الكبرى، في غياب قيود وقوانين فعالة، من الممكن أن تلحق أفدح الأضرار بالعقل البشري، وقد تحول الذكاء الاصطناعي إلى سلاح دمار شامل إذا استمر تطويره ونشره بهذا التسارع المفرط ومن دون ضوابط كافية.
ولم تعد هذه المخاوف تصدر عن النقاد وحدهم، ففي مناسبات مختلفة، ومنها ما كشفته مجلة TIME [2] من خروج أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي عن السيطرة وهجومه على أنظمة أخرى، وبعدها بأيام وقع ما يقارب 1400 مهندس ومهندسة في شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى عريضة مشتركة [3] تطالب بتطوير أدوات تقنية وآليات حوكمة دولية لضبط وتيرة تطوره. ولم تكن هذه العريضة حالة معزولة، إذ تتوالى تحذيرات الباحثين والباحثات في هذا الحقل من أن التطوير المتسارع قد ينفلت من أي سيطرة بشرية.
فقد حذر التقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي [4]، الذي أعده أكثر من مئة خبير وخبيرة بدعم من أكثر من ثلاثين دولة ومنظمة دولية، من أن النماذج باتت تميز بين بيئة الاختبار والاستخدام الواقعي وتلتف على آليات التقييم، بما يسمح لقدرات خطرة بأن تمر من دون أن تكتشف، ومن أن وكلاء الذكاء الاصطناعي يرفعون منسوب الخطر لأنهم يتصرفون بشكل مستقل يصعب معه تدخل البشر قبل وقوع الضرر، وهناك مخاطر كبيرة في أن تطور انظمة الذكاء الاصطناعي نفسها بنفسها وتخرج عن السيطرة، ويكون لها في إدارة البشر والتحكم بهم دور أكبر مما هو مخطط له. ووقع عشرات الآلاف، ومن بينهم كبار علماء هذا المجال، بيانا دوليا [5] يطالب بحظر تطوير «الذكاء الخارق» إلى حين توافر إجماع علمي على إمكانية إنجازه بأمان وتحت السيطرة، وقبول مجتمعي واسع به، فيما استقال باحثون [6] من شركات رقمية كبرى احتجاجا على مسار تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وأولوياته.
ولا ينكر أحد ما يقدمه الذكاء الاصطناعي من إمكانات هائلة، فهو يختصر سنوات من البحث في اكتشاف الأدوية، ويفك بنية البروتينات التي استعصت على العلماء عقودا، ويرفع دقة تشخيص الأمراض ويتيح كشفها في مراحل مبكرة تنقذ حياة الناس، ويحاكي تغيرات المناخ ويحذر من كوارثها قبل وقوعها، ويكسر الحواجز اللغوية بالترجمة فيضع المعرفة في متناول من حرموا منها طويلا، ويسهل حياتهم اليومية والمهنية، ويفتح أبوابا لخدمات كثيرة قد تحل إشكالات عويصة تواجه البشرية. وهذه المكاسب ذاتها هي ما يجعل السؤال أشد إلحاحا، فالمقال لا يجادل في هذه القدرات، إنما في من يملكها ومن يوجهها ولمصلحة من تعمل وكيف توظف.
وقبل المضي في التحليل، من الضروري التمييز بين ثلاث طبقات يجري الخلط بينها عادة. الأولى «خوارزميات الترتيب والتوصية» التي تقرر ما يظهر أمامنا وما يحجب عنا. والثانية «المنصات الرقمية» ونموذج أعمالها القائم على اقتصاد الانتباه، أي تحويل وقت المستخدمين والمستخدمات وبياناتهم إلى ربح. والثالثة «أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي» التي تنوب عن الإنسان في الكتابة والتحليل واتخاذ القرار. ولكل طبقة آلياتها وآثارها التي تختلف عن الأخرى، غير أن الطبقات الثلاث تتشابك اليوم في يد الشركات الاحتكارية الرأسمالية ذاتها، وتخضع لمنطق تراكم واحد. ويزيد من تشابكها أن الذكاء الاصطناعي بات يدير الثلاث معا، فخوارزميات الترتيب والتوصية صارت نماذج ذكاء اصطناعي، ونموذج أعمال المنصات يدار به في استهداف المستخدمين والمستخدمات وقياس سلوكهم والتنبؤ به، والأدوات التوليدية هي الذكاء الاصطناعي نفسه. ولهذا أراها مترابطة إلى حد بعيد، ويصير الفصل بينها تحليليا أكثر منه واقعيا، وهذا ما يجعل قراءتها معا ضرورة معرفية.
التعليقات (0)