سمرقند- ضحكات هنا وهناك وأصوات تتعالى من حين لآخر، ولغات متنوعة تتزاحم في عربة القطار، صحفيون وأكاديميون ومؤثرون من جنسيات مختلفة ينتظرون انطلاق جولة استكشافية للكنوز التاريخية في مدينة سمرقند شمال شرق أوزبكستان.
يحتاج هذا الجمع إلى قرابة ساعتين لقطع نحو ثلاثمئة كيلومتر على متن القطار، من العاصمة طشقند إلى سمرقند، وهي مسافة ارتأى المنظمون للمنتدى الإعلامي الدولي حول الحضارة الإسلامية في أوزبكستان أن تكون جزءا من هذه الرحلة الاستكشافية.
على طول جوانب السكة الحديدية تمتد أحيانا حقول الذرة وأشجار الصفصاف وبعض بساتين الخوخ، وأحيانا أخرى فلوات شاسعة لم تصل إليها أيدي الزُّرّاع بعد، أو تبدو من بعيد قطعان من المواشي.
بدأت أتعرف على معالم سمرقند منذ اللحظة الأولى لانطلاق القطار من طشقند، فقد كان عن يميني -مستندا إلى نافذة القطار- كالوم ماكلويد، صحفي أسكتلندي يبدو من ملامحه ومن الشيب الذي غزا لحيته ويكاد يقضي على ما تبقى من سواد في رأسه أنه جاوز الستين من عمره، ويقول إنه قضى قسطا كبيرا منها في آسيا الوسطى، وخاصة في أوزبكستان.
لم نحتج أنا وكالوم وقتا طويلا لكي ينساب الحديث بيننا، حتى إن نصف كلامنا تحول إلى نكات ومزاح، والنصف الآخر أمضيناه في النقاش عن تاريخ أوزبكستان وعن سمرقند ومعالمها والدول التي تعاقبت على حكمها، ومن حين لآخر يفتح دليلا سياحيا ألفه عن البلاد ليريني صورة أو خريطة أو فقرة توضح أو تعضد ما يقول.
في هذه الرحلة بين طشقند وسمرقند -والتي انتهت بأن أطلقتُ على كالوم لقب "الزعيم الأوحد" لكثرة ما ردد هذا المصطلح أثناء نقاشنا عن الزعامات التي قادت دول آسيا الوسطى عبر التاريخ- عرفت أن جليسي قضى نحو عشرين عاما في الصين وما يقاربها في أوزبكستان، ولو ضاقت عيناه قليلا وتحدث بلغة الماندرين -التي يتقنها- لما قال عنه أحد إنه أسكتلندي.
التعليقات (0)