بين بيت لاهيا شمالي قطاع غزة ودير البلح وسطه، تذوقنا ثمرتي خيار خرجتا من تجربتين زراعيتين مختلفتين؛ نمت الأولى في أرض زراعية تقليدية عُرفت طويلا بإمداد أسواق القطاع بمحاصيلها، فيما نضجت الثانية داخل دفيئة مؤتمتة تقرأ مستشعراتها احتياجات التربة وتضبط الري والتهوية آليا، ورغم اختلاف المكان وطريقة الزراعة، لم نلحظ في تجربتنا فرقا واضحا في مذاق الثمرتين.
خلف هذا التقارب الحسي، تكشف رحلة كل ثمرة اختلافا أوسع في مساحة الزراعة وكمية المياه والتقنيات المستخدمة؛ ففي بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، أخرج القصف الإسرائيلي خلال حرب الإبادة الإسرائيلية والتجريف مساحات زراعية واسعة من دائرة الإنتاج، وأصاب التربة والآبار وشبكات الري، فيما يحاول فريق من المهندسين والمبرمجين في دير البلح إنتاج المحصول داخل مساحة محدودة، عبر مستشعرات مربوطة بالذكاء الاصطناعي تقرأ رطوبة التربة وحرارة الهواء، وتحول بياناتها إلى أوامر تضبط موعد الري وكميته.
وبين دونمات خرجت من الإنتاج في بيت لاهيا ودفيئة تبلغ مساحتها 250 مترا مربعا، يختبر التقرير قدرة التكنولوجيا على زيادة قيمة كل متر مزروع وكل قطرة ماء، ويتتبع إمكانية إسهام الدفيئات المؤتمتة في استعادة جزء من السلة الغذائية التي فقدها قطاع غزة خلال الحرب.
بدت الدفيئة في دير البلح جنوبي قطاع غزة على هيئة نفق مقوس يكسوه غطاء بلاستيكي شبه شفاف، فيما ثُبّتت إلى جوارها ألواح للطاقة الشمسية وصندوق تحكم معدني تتوزع على واجهته شاشات رقمية وأزرار ومؤشرات ضوئية، ومن داخل الصندوق، امتدت الأسلاك نحو المستشعرات والمضخات وأنظمة الري والتهوية.
في الداخل، توزعت شتلات الخيار والطماطم والفلفل الأخضر البلدي في صفوف متوازية تفصل بينها ممرات ضيقة، وامتدت أوراقها الخضراء على جانبي خطوط الري، وبين الجذور، غُرست مستشعرات في أعماق مختلفة من التربة، لتمثل قراءة كل منها حالة المساحة المحيطة بها وحاجتها إلى الماء.
بدأ مهند البريم، مهندس المشروع ومبرمجه، تشغيل المنظومة بتحميل الشيفرة البرمجية من جهاز الحاسوب إلى وحدة التحكم الإلكترونية، وبعد توصيلها بمصدر الطاقة، أضاءت المؤشرات وظهرت القراءات على الشاشات، لتنتقل الدفيئة من هيكل زراعي صامت إلى منظومة تراقب ظروفها لحظة بلحظة.
التعليقات (0)