لا يمكن النظر إلى أزمة الأسواق في غزة باعتبارها مجرد مشكلة في ارتفاع الأسعار أو نقص بعض السلع، فجوهر الأزمة أعمق من ذلك ويتصل بقدرة الاقتصاد نفسه على استعادة دورته الطبيعية. فعندما تتعطل حركة البضائع والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج فإن الضرر لا يتوقف عند حدود التجارة وإنما يمتد إلى الإنتاج والتشغيل والدخل والقدرة الشرائية للمواطنين.
وتقوم الأسواق على مبدأ بسيط، كلما اتسعت دائرة المنافسة وتعددت مصادر التوريد، زادت قدرة السوق على ضبط الأسعار وتحسين توافر السلع. أما عندما تنحصر عمليات الاستيراد في نطاق ضيق، فإن المنافسة تتراجع وتزداد قدرة عدد محدود من المتعاملين على التأثير في الكميات والأسعار. وفي بيئة تعاني أصلا من نقص حاد في السلع تصبح هذه المشكلة أكثر حساسية لأن أي تكلفة إضافية على سلسلة التوريد تنتقل في النهاية إلى المستهلك.
الأكثر خطورة أن تكاليف إدخال البضائع، إذا تحولت إلى سوق موازية لها أسعارها الخاصة تضيف طبقة جديدة من الأعباء فوق تكلفة السلعة الأصلية. وهنا لا يعود ارتفاع السعر مرتبطا فقط بسعر الشراء أو النقل وإنما يصبح نتيجة مباشرة لتعقيدات الوصول إلى السوق. وهذا يفسر جزئيا لماذا يمكن أن ترتفع أسعار بعض السلع بصورة تفوق الزيادة الطبيعية في تكاليفها.
لكن التأثير الأكبر يظهر في جانب الإنتاج، فالمنشأة المتضررة تحتاج إلى مواد خام ومعدات وقطع غيار حتى تعود إلى العمل، ومع تعذر وصول هذه المدخلات، فإن إعادة تشغيلها تصبح أكثر كلفة وتأخيرا ما يعني فقدان فرص عمل ودخل واستمرار اعتماد السوق على الواردات بدل استعادة جزء من قدرته الإنتاجية.
لذلك فإن معالجة الأزمة الاقتصادية لا ينبغي أن تقتصر على زيادة عدد السلع الداخلة إلى الأسواق وإنما يجب أن تستهدف فتح قنوات تجارية أكثر اتساعا وشفافية وتنافسية. فالتعافي الحقيقي يحتاج إلى إزالة العوائق أمام مختلف التجار وضمان تدفق منتظم للمواد الأساسية ومستلزمات الإنتاج وتقليل التكاليف غير المباشرة التي تتحملها السلع قبل وصولها إلى المستهلك.
وفي اقتصاد يواجه أزمة بهذا الحجم، لا تمثل حرية التجارة ترفا اقتصاديا وإنما تصبح جزءا من شبكة الأمان المعيشية وأحد الشروط الأساسية لإعادة بناء الإنتاج والأسواق معا.
التعليقات (0)