بينما لا يزال منشأ الطحالب التي تسببت في تعطيل محطات تحلية المياه في إسرائيل محل جدل وخلاف، فإن هناك قرائن علمية تؤيد أن الكتلة الطحلبية قد تكون تحركت من الجنوب، ثم تضخمت عند مرورها بسواحل غزة بفعل المغذيات التي وفرتها مياه الصرف الصحي غير المعالجة التي تم صرفها في البحر بسبب تدمير إسرائيل للبنية التحتية للصرف الصحي، وذلك قبل أن تصل تلك الكتلة إلى محطات التحلية في أشكلون وأشدود وسوريك وبلماحيم.
وإذا كانت إسرائيل قد حددت بشكل قاطع أن تحرك الكتلة الطحلبية من الجنوب يثبت أن منشأها "دلتا النيل" في مصر، فإن هناك من يرى أن ظهور تلك الكتلة قبالة السواحل المصرية لا يثبت المنشأ المصري لها لأسباب تتعلق بطبيعة التيارات البحرية في المتوسط، والتي تؤدي إلى دوران إقليمي ينقل المياه والمواد العالقة من مناطق مختلفة في المتوسط، وهذا من شأنه أن يعقد مهمة تحديد الهوية الجغرافية لمصدر الطحالب.
ولا يرتقي الخلاف على الدور الذي لعبته مياه صرف غزة في ازدهار الطحالب إلى نفس درجة خلاف منشأ الطحالب، إذ إن هناك العديد من الدراسات العلمية التي تدعم هذا الرأي الذي طرحه باحثون من منظمة "زولول" الإسرائيلية، وهي جمعية بيئية غير حكومية تأسست عام 1999، وتركز على حماية البحار والسواحل والأنهار ومصادر المياه من التلوث، إذ قالت صراحة في تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" ، إن الصرف غير المعالج من غزة (دون أن تذكر سببه) وفر مغذيات تغذي ازدهار الطحالب الدقيقة، وربما أدى إلى تكثيف نموها.
ويدعم هذا الرأي ملاحظتان أشار إليهما تقرير نشره موقع "هافينغتون بوست" ، نقلا عن مسؤولين في الجمعية نفسها، وهما أن المياه قبالة جنوب إسرائيل، قرب غزة، سجلت ارتفاعا استثنائيا في المغذيات مثل الفوسفات والسيليكا، وهي عناصر تساعد على نمو الطحالب، كما تم رصد ملوحة أقل من المعتاد، بما يشير إلى دخول مياه عذبة إلى المنطقة، والصرف الصحي في غزة مصدر محتمل لهذه المياه والمغذيات.
وكانت هشاشة منظومة التحلية الإسرائيلية أمام التلوث البحري قد حظيت بتحذيرات سابقة، إذ أشارت تقارير ودراسات إسرائيلية إلى أن حادث تلوث بحري واسع يمكن أن يعرقل تشغيل محطات التحلية الساحلية، لكن لم تشر تلك الدراسات بطبيعة الحال إلى الدور الإسرائيلي في صناعة هذا التلوث عبر تدمير محطات الصرف الصحي في غزة، لتتجرع مرارة ما فعلته، وتصبح تلك الحالة نموذجا لما يعرف بـ "ارتداد الأثر البيئي"، وهو مصطلح يستخدم لوصف حالة تعود فيها نتائج الضرر البيئي الذي تسبب فيه نشاط بشري لتصيب الجهة التي أحدثت الضرر نفسه.
وبحسب تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، كان نحو 40 ألف متر مكعب من مياه الصرف غير المعالجة يتدفق يوميا من غزة إلى البحر ومناطق إقامة السكان في مايو/أيار 2026، نتيجة توقف نحو 80% من محطات ضخ الصرف عن العمل، وهو ما يتيح مغذيات تساعد على نمو الطحالب، ويزيد من حجم مشكلة كانت موجودة في الأصل.
التعليقات (0)