حين كتب غابرييل غارسيا ماركيز «مئة عام من العزلة»، لم يكن يروي حكاية عائلة بوينديا وبلدة ماكوندو بقدر ما كان يستحضر مأساة التاريخ حين يفقد قدرته على التقدم، فيعيد نفسه بأسماء ووجوه وأحداث مختلفة. في ماكوندو، تتعاقب الأجيال، وتتكرر الحروب والانقسامات والأخطاء، بينما تتآكل الذاكرة تحت وطأة النسيان والمحو، حتى يبدو الزمن وكأنه لا يمضي إلى الأمام، بل يعود دائمًا إلى النقطة ذاتها. ولعل السؤال الأعمق الذي تتركه الرواية وراءها ليس ماذا حدث لماكوندو، وإنما ماذا يحدث لمجتمع يعجز عن تحويل تجربته التاريخية إلى وعي يحرره من تكرارها؟
لكن فلسطين ليست ماكوندو، ولن تكونها. وهذه ليست خاتمة نصل إليها في نهاية المقارنة، بل هي نقطة البداية. فماكوندو عاشت مئة عام وانتهت، أما فلسطين فقد مرّت عليها 129 عامًا منذ انعقاد المؤتمر الصهيوني في بازل عام 1897، وما زالت حاضرة في التاريخ، تقاوم محاولات إخراجها منه، وتحضر من جديد في الوعي والذاكرة والمكان، رغم محاولات الاقتلاع والتهجير. وإذا كان ماركيز قد استخدم مئة عام ليحكي دورة تاريخية كاملة، فإن فلسطين تمنحنا دورة أطول: 129 عامًا من التاريخ المفتوح الذي لم يصل بعد إلى صفحته الأخيرة.
من بازل دخل المشروع الصهيوني مرحلة جديدة من التنظيم والعمل السياسي، ثم جاءت التحولات في السياسة البريطانية، فوعد بلفور، فالانتداب، فالثورة الفلسطينية الكبرى، ثم قرار التقسيم، فالنكبة وقيام إسرائيل وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين، ثم احتلال ما تبقى من فلسطين التاريخية عام 1967، فالانتفاضات، فاتفاق أوسلو، فالانقسام الفلسطيني، فالحصار والعدوان المتواصل على غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، وصولًا إلى الكارثة التي ما زالت تتكشف فصولها. 129 عامًا لم تكن زمنًا واحدًا، ولم تكن الأحداث نسخة طبق الأصل، لكن بينها خيطًا لا يمكن تجاهله: كل مرحلة كانت تفتح الباب أمام أخرى، وكل محاولة لإنهاء الصراع كانت تترك أسبابًا لاستمراره.
ليست القضية أن فلسطين عاشت ما عاشته ماكوندو، بل أن رواية ماركيز تمنحنا مرآة لبعض آليات التاريخ الفلسطيني. ففي ماكوندو تتحول الحرب إلى حالة قائمة بذاتها، ويصبح الانقسام جزءًا من الحياة اليومية، وتدخل القوى الخارجية فتغير بنيتها ومصيرها، ثم يصبح الصراع على الذاكرة لا يقل أهمية عن الصراع على الأرض.
وفلسطين تعرف شيئًا عن ذلك كله، ولكن بصورة مختلفة وأكثر تعقيدًا. فمنذ بازل لم يكن الفلسطيني يعيش في فراغ، وكان هناك لاعبون دوليون وإقليميون، ومشاريع سياسية كبرى، وقرارات تصدر خارج فلسطين وتعيد تشكيل واقعها، وقوى تفوق قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهتها. بل ربما كان العالم حاضرًا في قضيتها أكثر من أكثر القضايا الأخرى، لكنه لم يكن حاضرًا دائمًا بالطريقة التي أرادها الفلسطيني أو احتاج إليها.
العزلة التي تستحق أن نتوقف عندها مختلفة: عزلة الوعي عن التجربة، وعزلة الأجيال عن قراءة التاريخ سلسلة مترابطة، وعزلة القرار عن دروس المراحل السابقة. فالمشكلة ليست أننا لا نملك تاريخًا؛ بل نملك تاريخًا كثيفًا تطغى فيه الأحداث أحيانًا على بعضها، فيبتلع الحدث الجديد ما سبقه قبل أن نمنحه الوقت الكافي لفهمه.
التعليقات (0)