قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مفارقة فلكية، فعطارد هو أقرب كواكب النظام الشمسي إلى الشمس، ومع ذلك فإن الزهرة، التي تدور على مسافة تقارب ضعف مسافة عطارد عن الشمس، هي الكوكب الأكثر حرارة. وتصل حرارة سطح الزهرة إلى نحو 464 درجة مئوية، مقابل نحو 430 درجة مئوية لأشد مناطق عطارد حرارة.
والسبب يكشف حقيقة مهمة في علم الكواكب وهي أن المسافة عن النجم تحدد مقدار ضوء الشمس الذي يصل إلى الكوكب، لكنها لا تحدد وحدها مقدار الحرارة التي يحتفظ بها سطحه.
ويشرح عالم الفيزياء الفلكية "ستيفن كين"، المتخصص في قابلية الكواكب للسكن في جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، أن المسافة تخبرنا بكمية ضوء الشمس الذي يصل إلى الكوكب، لكنها لا تخبرنا مقدار ما ينعكس منه أو يمتص، ولا مدى سهولة هروب الحرارة، أو كفاءة الغلاف الجوي في نقلها. وهذه العوامل قد تكون أحيانا أهم من المسافة نفسها.
يمثل عطارد حالة مختلفة تماما، فالكوكب الأقرب إلى الشمس لا يمتلك غلافا جويا كثيفا قادرا على الاحتفاظ بالحرارة، ولذلك تسخن الصخور مباشرة تحت أشعة الشمس، لكن الحرارة تبدأ بالهروب إلى الفضاء بسرعة كبيرة بعد غروب الشمس. ولهذا تتباين درجات الحرارة على سطحه بصورة هائلة، إذ يمكن أن تبلغ نحو 430 درجة مئوية نهارا، ثم تنخفض إلى نحو -180 درجة مئوية ليلا.
أما الزهرة، فتمتلك غلافا جويا كثيفا تبلغ كثافته نحو 90 مرة كثافة الغلاف الجوي للأرض، ويتكون في معظمه من ثاني أكسيد الكربون. وهذا الغلاف يعمل كغطاء شديد الفاعلية يحول دون فقدان الحرارة، ولذلك لا يختلف سطح الزهرة كثيرا بين النهار والليل.
المفارقة أن الزهرة لا تمتص بالضرورة ضوءا شمسيا أكثر من عطارد، فسحبها الكثيفة المكونة من حمض الكبريتيك تعكس نحو ثلاثة أرباع ضوء الشمس القادم إلى الفضاء، ولا يصل إلى سطح الكوكب سوى نحو 3% من ضوء الشمس الذي تستقبله، ولو أزيل غلافها الجوي وسحبها، لكان سطح الزهرة الصخري أبرد من عطارد بسبب بعده الأكبر عن الشمس.
التعليقات (0)