في ظل استمرار حرب الإبادة على شعبنا، وبخاصة في قطاع غزة ، وما تبعها من نزوح وتشريد وسكن في مخيمات الإيواء وفقدان المعيل، انعكست الكارثة على كافة فئات المجتمع، ولا سيما الأطفال الذين خرج منهم عشرات الآلاف لإعالة أسرهم، وأصبحت عمالة الأطفال في قطاع غزة إحدى أكثر القضايا الإنسانية والاجتماعية تعقيداً وخطورة في الواقع الفلسطيني المعاصر؛ فهي لم تعد مظهراً اقتصادياً هامشياً تحركه رغبة الأسر في تحسين دخلها، بل تحولت إلى آلية بقاء قسرية تفرضها ظروف القهر الاقتصادي، والحصار الممتد، وتداعي شبكات الحماية الاجتماعية. من هذا المنطلق، فإن قراءة هذه الظاهرة من منظور سوسيولوجي ونقابي تكشف أن إقحام القاصرين في سوق العمل ينطوي على تفكيك بنيوي لمستقبل العنصر البشري والمؤسسة الأسرية الفلسطينية بأكملها. ترتبط هذه الظاهرة بدوافع هيكلية عميقة؛ في مقدمتها القهر الاقتصادي والحاجة المعيشية المباشرة الناتجة عن الانهيار الاقتصادي وتفشي الفقر والبطالة إلى مستويات غير مسبوقة، مما حرم الأسر من تأمين حد الكفاف الغذائي، وأدى إلى انقلاب في الأدوار الاجتماعية داخل الأسرة عبر فقدان المعيل الأساسي أو تحييد قدرته، وضع أطفالاً في عمر مبكر للغاية دون سن الخامسة عشرة وأحداثاً دون الثامنة عشرة في موقع المسؤول الفعلي والوحيد عن إعالة عائلاتهم. ومما يُعقّد دوافع هذا العمل المبكر ويضاعف من عمق الأزمة السوسيولوجية، يبرز الحرمان القسري من التعليم النظامي إثر تدمير المدارس أو تحولها إلى مراكز إيواء مؤقتة، ما أسفر عن حرمان أكثر من 626 ألف طفل من حقهم الأصيل في التعليم. وحين ينسحب الطفل رغماً عنه من المؤسسة التعليمية -بوصفها فاعلاً أساسياً في التنشئة الاجتماعية والتأهيل المعرفي- يتشكل لدى الطفل فراغ المؤسسة والدور، فيصبح الشارع والبحث المضني عن مصدر دخل يومي هو الفضاء المتاح الوحيد لتشكيل وعيه وهويته الشخصية، وسط تراجع قدرات شبكات الحماية الاجتماعية والإغاثية، وهو ما يدفع بالطفولة المبكرة نحو غياهب الاستغلال والجهد البدني الشاق. وتتجلى أولى الإشكاليات الصحية والسوسيولوجية الخطيرة لهذا العمل المبكر في الانتهاك المباشر والتدميري للسلامة الجسدية للأطفال؛ حيث يتجسد الصراع من أجل البقاء في صور قاسية، أبرزها خروج أطفال لم يتجاوزوا سن العاشرة لنقل وتعبئة المياه على عربات بدائية أو حملها يدوياً لمسافات طويلة. إن هذه الأحمال الثقيلة التي تفوق طاقة أجسادهم الغضة تؤدي إلى تداعيات صحية كارثية؛ إذ بدأنا نلمس ميدانياً معاناة أطفال في مقتبل أعمارهم من إصابات الغضروف التشوهية في العمود الفقري، والانهاك الجسدي المزمن، فضلاً عن إصابات العمل الناتجة عن جمع البلاستيك والكرتون من بين الركام واستخراج المعادن من المنازل المدمرة. إن هذه التشوهات الجسدية والإعاقات المبكرة لا تسلب الطفل صحته فقط، بل تعطيل طاقاته الإنتاجية والاجتماعية مستقبلاً وتحرم المجتمع من رأس ماله البشري. وتتكامل هذه المخاطر الجسدية مع إشكالية الانكشاف الأخلاقي والاستغلال الاقتصادي المركب في بيئة العمل غير الرسمية؛ حيث يعمل هؤلاء الأطفال الصغار في ظل غياب تام للقوانين والرقابة النقابية والحقوقية، مما يجعلهم صيداً سهلاً للاستغلال المادي بأجور متدنية لا تسد الرمق من قبل سماسرة الأسواق السوداء. كما يُفضى التواجد المستمر للأطفال دون سن العاشرة في فضاء الشارع المفتوح إلى الاحتكاك اليومي بأنماط سلوكية منحرفة وسرقة المساعدات، وهو ما يُحدث تعرية سريعة للقيم والمفاهيم الأخلاقية ويهدد بتفكيك الضوابط السلوكية التي تبني مجتمعاً متماسكاً. وعلى الصعيد النفسي والسوسيولوجي المباشر، يفرض هذا الانخراط المبكر في سوق العمل على الطفل تطوير استراتيجيات دفاعية قسرية للتكيف مع بيئته القاسية، حيث يمارس ظاهرة "التقمص المبكر لدور البالغين" عبر إظهار خشونة وصرامة تفوق عمره الحقيقي، والتصرف بأسلوب قاسٍ لرد التهديدات الخارجية ومحو صفة الاستضعاف في العمل. وتحت ضغط هذه البيئة، يتحول السلوك الهجومي الاستباقي والرد الحاد لديه إلى درع وقائي يمنع الآخرين من التعدي على حقوقه، بالتوازي مع كبت المشاعر الطبيعية من حزن وتعب وخوف، لأن إظهار الضعف والطفولة في الشارع يُعد خياراً لا مكان له. وبالتبعية، فإن الاستمرار في ممارسة هذه الآليات الدفاعية والعيش في ظل هذه الظروف الهيكلية يترك آثاراً عميقة على البناء المجتمعي المستقبلي؛ حيث يختزل الطفل قيمته الذاتية في مقدار ما ينتجه مادياً، مع شعور عميق بالدونية والحرمان المعرفي مقارنة بأقرانه. تؤدي هذه التحولات إلى إعادة إنتاج الفقر والتهميش طبقات عبر الأجيال، وتراجع مؤشرات التنمية البشرية بسبب تفشي الأمية القسرية وخلو سوق العمل المستقبلي من المهارات العلمية والمهنية المؤهلة، فضلاً عن ارتفاع مخاطر الانحراف واضطرابات القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، وتحول العنف إلى آلية مجتمعية دائمة لحل النزاعات. وإزاء هذه التداعيات التي تمس جوهر البناء الاجتماعي الفلسطيني، تبرز الحاجة الماسّة إلى رؤية سوسيولوجية ونقابية متكاملة تتضافر فيها الجهود الوطنية والدولية للحد من هذه الظاهرة، تبدأ بالوقف الفوري للتدهور الإنساني وتوفير الحماية وتأمين تدفق المساعدات الإغاثية المستدامة للأسر، مروراً بإعادة بناء المنظومة التعليمية وتوفير مساحات تعليمية بديلة لسحب الأطفال التدريجي من سوق العمل، وصولاً إلى تفعيل شبكات الحماية الاجتماعية لتقديم دعم مالي ونفسي مباشر للأسر الفاقدة لمعيليها، مع تنفيذ برامج تأهيل نفسية وصحية واجتماعية متخصصة تساعد هؤلاء الأطفال على التخلي عن درع الدفاع الحاد وعلاج آثار الانهاك الجسدي وإعادة دمجهم في البيئة الطبيعية لطفولتهم. وأخيراً، فإن مواجهة تفاقم ظاهرة عمالة الأطفال في غزة تستدعي الانتقال من منطق التشخيص والإغاثة الطارئة إلى سياق الحماية المباشرة والتأهيل التنموي، ولا يمكن فصل إنقاذ هؤلاء الأطفال عن استحقاق الوقف الفوري للعدوان، وتفعيل المسؤولية القانونية والأخلاقية للمؤسسات الدولية بموجب اتفاقية حقوق الطفل واتفاقيات منظمة العمل الدولية مثل الاتفاقية رقم 182 الخاصة بأسوأ أشكال عمل الأطفال؛ إذ إن استرداد حق هؤلاء الأطفال في المقعد الدراسي وفي بيئة آمنة وصحية ليس خياراً رفاهياً، بل هو الركيزة الأساسية لحماية النسيج الاجتماعي ورأس المال البشري الفلسطيني من الاندثار، وضمان عدم تحول هذه الآليات الدفاعية والقسرية إلى ثقافة مجتمعية دائمة تُعيد إنتاج الهشاشة والتهميش.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
التعليقات (0)