الآن والحديث يتصاعد حول المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح»، تبدو «فتح»، كما هي دائماً، تشبهنا تماماً، تشبه الشعب الذي نذرت نفسها للدفاع عنه وعن حقوقه منذ انطلاقتها حتى اللحظة. «فتح» التي يجد كل فلسطيني فيها شيئاً منه، هي «فتح» التي لم تتسلح بالأيديولوجيا ولا بالأفكار الكبيرة ولا بالعبارات الرنانة، ولم تستغل الدين وتوظف تديّن الناس، بقدر ارتكازها على السياق الفلسطيني وفهمها لطبيعة الحق الوطني، وعلى الرغم من بساطة العبارة التي قالتها «فتح» «إنها ثورة حتى النصر» على قدر عمق المعني واتساع الأفق. وكما دائماً، فإن كل انتخابات «فتحاوية» تبدو كأنها انتخابات وطنية شاملة، فشأن «فتح» شأن وطني عام، ويكاد كل فلسطيني يعرف مسؤول تنظيم «فتح» في منطقته، وتكاد انتخابات أطر «فتح» التنظيمية تبدو انتخابات للهيئات القيادية للشعب الفلسطيني. كان الراحل أحمد دحبور يقول عن لجنة «فتح» المركزية مجمع «الكرادلة»، بمعني أنهم حرّاس الإيمان، وكذلك «فتح» وخليتها الأولى وبقية أطرها الوطنية. لذا فإن الفلسطيني يجد في «فتح» تنظيمه الذي لا ينتمي إليه وحركته التي تقاتل عنه حتى إن وجد نفسه على خلاف سياسي معها. فـ»فتح» كما نقول، نحن الفتحاويين، هي «أم الجماهير»، وحتى حين تقول «الحركة» بأل التعريف أو «التنظيم» بمنطوق الكلمة، فإن الكل يعرف أنك تشير إلى «فتح» رغم أن ثمة حركات أخرى كثيرة في السياق الفلسطيني العام، ورغم أن كل حركة وجبهة لها تنظيمها الخاص. كذلك الأمر فيما يتعلق بهيكل «فتح» التنظيمي من خلية وشعبة ومنطقة وإقليم. شكلت انطلاقة «فتح» إعادة تعريف للصراع ولأدواته ولدور الفلسطيني فيه، دور لا يكون فيه تابعاً ولا صامتاً. أعادت «فتح» «الفلسطينية» للفلسطينيين وأعادت التأكيد على طبيعة النضال الوطني الفلسطيني، لذلك قال محمود درويش: «فلسطينيةَ العينين والوشمِ/ فلسطينية الاسم/ فلسطينية الأحلام والهمِّ»، في قصيدة (عاشق من فلسطين). وكتب نزار قباني: «الآن صار عندي بندقية»، التي غنتها سيدة الغناء العربي أم كلثوم. أدرك آباء «فتح» الأوائل من ياسر عرفات وخليل الوزير وصلاح خلف و محمود عباس وخالد الحسن، وبقية الثلة الطاهرة من حملة لواء العاصفة، أن جوهر الصراع ليس في الخطابة ولا في الانتساب لجبهة أعرض وأكبر من حدود فلسطين، بل في تحديد الهدف المركزي للكفاح الوطني التحرري الكامن في استعادة الحقوق الوطنية والعودة إلى البلاد وإقامة الدولة المستقلة، وأي بوصلة أو طريق لا تشير أو تقود إلى ذلك فلا حاجة لها. لذا اكتسبت «فتح» قلوب الجماهير لأنها لم تتحدث لهم بلغة غريبة عن همومهم، بل خاطبتهم بلغة نابعة من تجاويف الألم الذي يعيشونه. وربما ليس غريباً أن حركة «فتح» هي التنظيم الفلسطيني الوحيد في التاريخ المعاصر، أي بعد النكبة ، الذي حمل اسم «وطن» ومشتقاته في تعريفها لنفسها. فلم تعّرف نفسها بأنها حركة إسلامية ولا دينية ولا شعبية ولا شيوعية ولا شيء، وكل تلك تشير إلى سياق أيديولوجي خارج الوعي الوطني العام، بل عرّفت نفسها بأنها «حركة تحرر وطني» واتبعت ذلك بالتأكيد على فلسطينية محمولها الكفاحي. لذا فإن الإشارة للحركة الوطنية الفلسطينية تشير في مقامها الأول في الخطاب العام لـ»فتح» تحديداً؛ فهي عامود الخيمة وخطابها يشكل بمفرداته قاموس الوطنية الفلسطينية. وبمراجعة مجريات النضال التحرري خلال قرابة السبعين سنة الماضية، يقف المرء على قوة حضور الخطاب الفتحاوي، وكيف دمغت مصطلحات قادة «فتح» ومخرجات مؤتمراتها وسطور بياناتها الخطاب الوطني العام. ليس مرد ذلك فقط قوة حضور «فتح» الجماهيرية، بل أيضاً إضافة إلى ذلك زخم وقوة الفعل الفتحاوي. وليس غريباً أن نجد ألد خصوم «فتح» ومنتقديها في لحظات الصفاء الوطني يعترفون بينهم وبين أنفسهم بأن صلاح حال الحركة الوطنية لا يستقيم دون صلاح حال «فتح»، وإن «فتح» القوية تعني أن الحركة الوطنية قوية، وأن «فتح» على علّاتها ومشاكلها تظل الضمانة الوطنية الأكثر وثوقاً، وفيما لا يطيب لهم قول ذلك علناً، إلا أنهم في الغرف المغلقة وحين يتهامسون بينهم وبين أنفسهم، وقد يشيرون بذلك لقيادات «فتح»، فإنهم يعترفون بأن «فتح» وحدها القادرة على قيادة دفة السفينة حتى إن اختلفوا مع طريقة قيادة «فتح» للسفينة، فهم يعرفون أن «فتح» وقيادتها هي المؤتمنة التي يحتمون بها في لحظة الخطر. وحتى حين فاوضت «فتح» لم تتنازل فيما غيرها يفعل ذلك أمام أول مصافحة يدوية مع موفد البيت الأبيض قبل أن تتقلص حدود قطاع غزة بنسبة 53 بالمائة. وعلى ذكر ذلك، فإذا كان من المرعب أن يتشابه الجميع، فإن «فتح» التي تشبه شعبها تشكل لحظة الصفاء الوطني و»جوهر» النقاء الفلسطيني. يطيب للفتحاويين أن يقولوا: إن الفلسطيني يولد فتحاوياً بالفطرة. لذا فإن الفلسطيني الذي لا تنظيم له، تكون «فتح» تنظيمه، لأن هذا يعني أن هذا الفلسطيني الذي لا تنظيم له لم يتعرض للوثة الأيديولوجيا ولم تلسعه الخطابات، ولا مسه جن اللاهوت ولا وقع ضحية خطباء المنابر، بل ظل حائراً يبحث عن فلسطين الخالصة المخلصة، حين لا يجد طريقاً يسلك طريق الآباء المؤسسين ممن ساروا على درب العاصفة. وفي قلب كل فلسطيني هناك شيء من «فتح». لست بحاجة للحفر في قلب الفلسطيني الحقيقي لتجد شعلة العاصفة تتقد في داخله، ربما ستحتاج للحفر قليلاً في قلب أنصار التنظميات الأخرى، ولكنك حين تصل إلى لحظة الوطنية الصافية والخالصة تجد في قلبه أو قلبها شيئاً من «فتح»، إنه هذا الشيء حين يتحرر من الأيديولوجيا وتجّار الدين وسماسرة الفكر. والحال كذلك فليس غريباً أن يكون عقد أي انتخابات تنظيمية لـ»فتح» من المنطقة التنظيمية على صعيد الحارة في بعض الأحيان حتى المؤتمر العام، مروراً بانتخابات لجنة الإقليم، محط اهتمام وانتظار شعبي عام. نعم فانتخابات منطقة تنظيمية في «فتح» تبدو شعبياً أهم من انتخابات المكاتب السياسية للتنظيمات الأخرى. بل إن انتخابات التنظيمات الأخرى لا يتم ذكرها إلا في نشرات الأخبار ومحافل المحور والإقليم، ومرد ذلك معروف، فنتائجها هي صياغات ومعادلات أيضاً من المحور والإقليم، أما انتخابات منطقة تنظيمية في جباليا فقد تصبح مثار نقاش، ليس في جباليا ولا في قطاع غزة فقط، بل في خارجه وستسمع صداها في جنين وعين الحلوة والوحدات واليرموك. كما أن المواطنين قد لا يتذكرون أسماء أعضاء المكاتب السياسية للتنظيمات، لكن مثلاً أمين سر منطقة «فتح» أو أمين سر إقليمها، يكون عادة من أشهر الشخصيات العامة في الحيز الجغرافي الذي تشكله المنطقة أو الإقليم، وهذا غير مرتبط بكون «فتح» التنظيم الحاكم، ففي غزة تتعرض «فتح» للملاحقة والاعتقال والتعذيب ومع ذلك يظل هذا صحيحاً مائة بالمائة. ولأنها تشبهنا تماماً، ففيها ما فينا من عيوب نتناقلها وننتقدها، لأننا حين نفعل ذلك فإنما نغار على أنفسنا وعلى مستقبلنا الذي ندرك أن «فتح» وحدها القادرة على استكناه الغامض منه وإضاءة ما أعتم من الطريق في الوصول إليه، وفيها ما فينا من طيبة ومحبة ومحاسن. كل ذلك هو ما يجعلنا فلسطينيين، ويجعلنا ملح هذه الأرض، ويجعل «فتح» تنظيم الفلسطينيين وحركتهم وحارسة حلمهم.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
💬 التعليقات (0)