هل يكفي أن يغادر بنيامين نتنياهو الحكم حتى نقول إن إسرائيل تغيّرت؟
هذا السؤال يبدو بسيطا، لكنه ضروري لفهم ما يجري داخل إسرائيل قبل الانتخابات المقبلة. فالأزمة الإسرائيلية لا تقف عند نتنياهو وحده، رغم حضوره الثقيل، بل تمتد إلى العقل السياسي والأمني الذي صعد معه، وتحول خلال السنوات الماضية إلى قاعدة شبه ثابتة في الحكم: الأمن قبل السياسة، القوة قبل القانون، والاستيطان كأمر واقع لا كملف قابل للمراجعة.
ما يبدو أمامنا أن إسرائيل قد تتغير في الواجهة، لكنها لا تبدو مستعدة لتغيير جوهر تفكيرها. قد يضعف نتنياهو، وقد تظهر وجوه أخرى أكثر هدوءا في الخطاب وأكثر قبولا لدى الغرب، لكن السؤال يبقى: هل تستطيع هذه الوجوه الخروج من المنطق الذي حكم إسرائيل طويلا، أم أنها ستعيد إنتاجه بلغة أقل إحراجا؟
الاستطلاعات الإسرائيلية الأخيرة تعطي مؤشرا على اهتزاز معسكر نتنياهو، لكنها لا تكفي للقول إن إسرائيل ذاهبة إلى تحول كبير. فقد أشارت استطلاعات نشرتها القناة 13 و”تايمز أوف إسرائيل” في آب/أغسطس 2026 إلى أن قوة معسكر نتنياهو دارت، في عدد من السيناريوهات، بين 50 و53 مقعدا، مقابل نحو 56 إلى 58 مقعدا لكتلة معارضيه، مع بقاء الجميع دون أغلبية حاسمة من 61 مقعدا. لكن استطلاعا نشرته “تايمز أوف إسرائيل” في 3 أيلول/سبتمبر 2026 أظهر تعادل الكتلتين عند 53 مقعدا لكل منهما، ما يعني أن المشهد لم يعد محسوما ضد نتنياهو، بل مفتوحا ومعقدا.
لكن الأهم من الأرقام هو دلالتها. فهذه المؤشرات لا تعني سقوط نتنياهو حتما، ولا تعني أن الليكود دخل مرحلة مراجعة سياسية. بالعكس، أوردت رويترز في 17 آب/أغسطس 2026 أن 54.9% من ناخبي الليكود يفضلون حكومة أكثر مركزية من الائتلاف الحالي، ثم أشارت في 8 أيلول/سبتمبر إلى سعي نتنياهو لتوحيد أحزاب اليمين خشية تشتت الأصوات. وهذا يكشف أن أزمة نتنياهو ليست في شعبيته وحدها، بل في قدرته على جمع اليمين، ومخاطبة الوسط، وبناء ائتلاف قابل للحكم.
ولا يمكن هنا تجاهل وزن فلسطينيي الداخل. فالأحزاب العربية لا تُقبل عادة بسهولة داخل ائتلاف حكومي إسرائيلي، لكنها قادرة على التأثير في حدود التوازنات: قد تمنع عودة اليمين الأكثر تطرفا، أو تكشف مأزق الديمقراطية الإسرائيلية عندما تقبل الصوت العربي رقما انتخابيا، وتتردد في قبوله شريكا سياسيا كاملا. هذه المسألة وحدها تقول الكثير عن طبيعة الأزمة داخل إسرائيل: ليست المشكلة فقط في من يحكم، بل في من يُسمح له أصلا أن يؤثر في الحكم.
التعليقات (0)