الكاتب: المهندس منير سعد – بيرزيت
كان الطعام في فلسطين مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بالأرض والماء والمواسم والعمل. كان الخبز يبدأ من حبة القمح، والسمك من البحيرة، والزيت من الزيتون، والعنب من الكرمة. وكان الحصول على الطعام يتطلب جهدًا وصبرًا وانتظارًا للمطر والحصاد. لذلك لم يكن الجوع أمرًا بعيدًا عن حياة الناس، ولم يكن الخبز مجرد طعام على المائدة، بل جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية.
وفي هذا السياق عاش السيد المسيح له المجد وتكلّم، ولذلك نجد الطعام والخبز والزرع والحصاد والمائدة حاضرة في كثير من تعاليمه وأعماله. وعندما نقرأ هذه النصوص اليوم من زاوية الأمن الغذائي، فإنها تفتح أمامنا أسئلة لا تزال حاضرة: كيف نواجه الجوع؟ وكيف نضمن وصول الغذاء إلى من يحتاج إليه؟ وكيف نحافظ على الموارد التي ينتج منها غذاؤنا؟ وماذا نفعل بالطعام الذي يزيد عن حاجتنا حتى لا يتحول إلى هدر؟
ومن أكثر القصص التي تثير التأمل في هذا السياق قصة إشباع الجموع بخمسة أرغفة وسمكتين. فقد بدأت القصة بكمية قليلة من الطعام، وانتهت بشبع نحو خمسة آلاف رجل، ما عدا النساء والأولاد، لكنها لم تنتهِ عند الشبع؛ إذ قال يسوع لتلاميذه: «اجمعوا الكسر الفاضلة لكي لا يضيع شيء» (يوحنا 6:12).
وفي الصلاة التي علّمها السيد المسيح لتلاميذه نقول: «خبزنا كفافنا أعطنا اليوم» (متى 6:11). فالخبز هنا يشير إلى القوت اليومي الذي يحتاج إليه الإنسان ليحيا في حياته، ويذكّرنا باعتمادنا على الله في احتياجاتنا الأساسية. لكن يسوع يفتح أمامنا معنى أعمق حين يقول: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله» (متى 4:4). فالإنسان يحتاج إلى خبز الأرض ليحيا جسديًا، لكنه يحتاج أيضًا إلى الخبز السماوي، أي كلمة الله، التي تمنح حياته معناها ووجهتها. وهكذا يجتمع في النظرة المسيحية احتياج الإنسان إلى الغذاء الجسدي واحتياجه إلى الغذاء الروحي.
فالخبز كان وما زال مرتبطًا بمنظومة واسعة من الإنتاج والعمل والموارد. والغذاء الذي يصل إلى مائدتنا يمر اليوم بمراحل متعددة تبدأ بالإنتاج الزراعي وتمتد إلى الحصاد والتصنيع والتخزين والنقل والأسواق، حتى يصل إلى المستهلك. ومن هنا فإن الأمن الغذائي لا يعني فقط توفر الطعام، بل يعني أيضًا المحافظة على القدرة على إنتاجه، وحماية الموارد الطبيعية، ودعم المزارعين، وضمان وصول الغذاء إلى من يحتاج إليه.
التعليقات (0)