الأحد 13 سبتمبر 2026 8:49 صباحًا - بتوقيت القدس
لم يكن استقبال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لحاخامات يهود، بينهم شخصيات تنتمي إلى تيارات مناهضة للصهيونية، حدثًا عاديًا في السياق السياسي الأمريكي. ليس لأن البيت الأبيض قرر تغيير موقفه من إسرائيل، أو لأن ترمب أصبح فجأة خصمًا للمشروع الصهيوني، بل لأن اللقاء جاء في لحظة تشهد فيها العلاقة بين إسرائيل وواشنطن تغيرات أكثر عمقًا مما توحي به التصريحات اليومية والخلافات الشخصية بين الرؤساء وأعضاء الحكومات.فقبل أسابيع، كان ترمب نفسه قد تحدث عن تراجع ما وصفه بقوة النفوذ الإسرائيلي في واشنطن مقارنة بما كان عليه قبل عقدين أو أكثر. ثم جاء استقبال شخصيات يهودية مناهضة للصهيونية ليضيف عنصرًا جديدًا إلى الصورة. قد يكون من الخطأ الربط المباشر بين الحدثين، أو التعامل معهما باعتبارهما جزءًا من سياسة أمريكية معلنة، لكن وضعهما في سياق واحد يثير سؤالًا يستحق التوقف عنده: هل بدأت إسرائيل تفقد قدرتها التقليدية على احتكار التمثيل السياسي لليهود، وبالتالي على تحويل هذا الاحتكار إلى نفوذ داخل واشنطن؟ وهو قد يكون أكثر أهمية من السؤال التقليدي حول قوة اللوبي الإسرائيلي. فالقضية ليست قوة اللوبي وحدها فعلى مدى عقود مضت، جرى اختزال النقاش حول نفوذ إسرائيل في الولايات المتحدة في الحديث عن جماعات الضغط، والتمويل السياسي، والعلاقات داخل الكونغرس. لكن هذه القراءة، على أهميتها، لا تفسر وحدها قوة إسرائيل السياسية في واشنطن. فالنفوذ الحقيقي لم يكن قائمًا فقط على وجود مؤسسات منظمة وقادرة على التأثير، وإنما على بيئة سياسية أوسع جعلت دعم إسرائيل يبدو، في كثير من الأحيان، جزءًا طبيعيًا من السياسة الأمريكية.فقد كانت العلاقة مع إسرائيل تحظى بحماية غير عادية، فالجمهوريون يدعمونها، والديمقراطيون يدعمونها والكونغرس يوفر لها مظلة واسعة، وكان انتقاد إسرائيل يحمل كلفة سياسية أعلى بكثير من تأييدها. وبعبارة أخرى، لم تكن قوة إسرائيل في واشنطن مجرد نتيجة للنفوذ، بل كانت أيضًا نتيجة الإجماع الذي سمح لهذا النفوذ بالعمل. وهنا يبدو أن التغير بدأ.إسرائيل لم تعد خارج الخلاف الأمريكيإن أحد أهم التحولات التي أنتجتها السنوات الأخيرة هو أن إسرائيل أصبحت جزءًا من الصراع السياسي الداخلي الأمريكي، لم تعد العلاقة معها منطقة محايدة بين الحزبين. فداخل الحزب الديمقراطي، أصبح الانقسام واضحًا بصورة متزايدة. فالحرب على غزة لم تنتج فقط خلافًا حول كيفية إدارة الأزمة، بل أعادت طرح أسئلة أوسع حول المساعدات العسكرية الأمريكية، وحقوق الفلسطينيين، وحدود استخدام القوة، ومسؤولية الولايات المتحدة عن سياسات حليفها. والأهم من ذلك أن التحول لم يعد محصورًا في عدد محدود من السياسيين التقدميين، فهناك تغير جيلي داخل القاعدة الديمقراطية نفسها. فالناخب الأمريكي الشاب لا ينظر بالضرورة إلى إسرائيل بالطريقة التي نظرت بها الأجيال السابقة. كما أن المرشحين الديمقراطيين أصبحوا أكثر قدرة على انتقاد إسرائيل من دون أن يعني ذلك بالضرورة نهاية مستقبلهم السياسي. وهذا تطور مهم؛ لأن العلاقة الأمريكية مع إسرائيل كانت تعتمد، إلى حد كبير، على استقرار الدعم عبر الأجيال. لكن التغير داخل الحزب الديمقراطي، رغم أهميته، ليس وحده ما يفسر تصريحات ترمب.التغير الآخر يحدث داخل اليمينربما يكون التحول داخل الحزب الجمهوري أقل وضوحًا، لكنه أكثر تعقيدًا. فالحزب الجمهوري ما زال، في عمومه، أكثر تأييدًا لإسرائيل من الحزب الديمقراطي. ولا توجد مؤشرات على تحول جمهوري جماعي ضدها. لكن الحزب الجمهوري لم يعد الحزب نفسه الذي كان عليه قبل عقدين. فصعود ترمب أعاد تشكيل السياسة الخارجية الجمهورية حول مفهوم مختلف: أمريكا أولًا. وهذا المفهوم لا يعني بالضرورة الانعزال عن العالم، لكنه يضع سؤال المصلحة الأمريكية في مقدمة أي التزام خارجي. ومن هنا، ظهر داخل اليمين الأمريكي سؤال لم يكن حاضرًا بالقوة نفسها في السابق: هل تتطابق المصالح الإسرائيلية مع المصالح الأمريكية دائمًا؟ وهذا السؤال لا يأتي من منطلق التضامن مع الفلسطينيين، ولا من رؤية يسارية للصراع، إنه سؤال قومي أمريكي. فلماذا تدخل الولايات المتحدة في صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة؟ وإلى أي حد ينبغي للحلفاء أن يحددوا أولويات السياسة الخارجية الأمريكية؟وهنا يصبح ترمب جزءًا من التحول، وليس مجرد مراقب له. فعندما يتحدث عن تراجع نفوذ إسرائيل، فهو لا يتحدث كسياسي ديمقراطي أو ناشط حقوقي. إنه رئيس ينتمي إلى تيار قومي جمهوري، ويرى أن السياسة الخارجية ينبغي أن تبقى تحت سيطرة واشنطن. ولهذا فإن المسألة لا تتعلق بانتقال ترمب من دعم إسرائيل إلى معارضتها. بل تتعلق بشيء مختلف: هل يمكن أن تبقى إسرائيل حليفًا قويًا من دون أن تمتلك القدرة نفسها على التأثير في تعريف السياسة الأمريكية؟طريقان مختلفان إلى نتيجة واحدةما يحدث اليوم داخل الحزبين الأمريكيين مثير للاهتمام. ففي الحزب الديمقراطي، يأتي التشكيك في السياسة الإسرائيلية من زاوية حقوق الإنسان، والحرب على غزة، وحقوق الفلسطينيين. أما داخل التيار القومي الجمهوري، فيأتي التشكيك من زاوية مختلفة: تكلفة الالتزامات الخارجية وأولوية المصلحة الأمريكية. المنطلقان مختلفان. بل متناقضان في كثير من الأحيان. لكن النتيجة السياسية قد تكون واحدة: لم يعد الدعم غير المشروط لإسرائيل فكرة لا يمكن مناقشتها. وهنا تكمن أهمية اللحظة؛ فإسرائيل ليست أمام حزب أمريكي واحد يتحول ضدها. هي أمام تغير تدريجي في الطريقة التي ينظر بها جزء من كل حزب إلى العلاقة معها. وهذا لا يعني فقدان التحالف. لكنه يعني فقدان شيء آخر كان شديد الأهمية وهو الإجماع.لقاء الحاخامات: لماذا يكتسب دلالة سياسية؟وهذا السياق يمكننا من قراءة استقبال ترمب للحاخامات، بمن فيهم ممثلون عن تيارات دينية مناهضة للصهيونية، لكن لا ينبغي المبالغة في تفسير اللقاء، فاستقبال شخصيات يهودية مناهضة للصهيونية لا يعني أن البيت الأبيض أصبح مناهضًا للصهيونية،ولا يعني أن ترمب تبنى موقفهم السياسي أو الديني، لكن اللقاء يحمل دلالة مختلفة. فلفترة طويلة، ساعد الخطاب السياسي الأمريكي على خلق صورة مبسطة: اليهودية وإسرائيل والصهيونية تبدو، في كثير من الأحيان، وكأنها شيء واحد، فهذه الصورة لم تكن دقيقة في الواقع. فاليهود الأمريكيون ليسوا كتلة واحدة. فهناك مؤيدون للصهيونية، وهناك منتقدون للحكومة الإسرائيلية، وهناك يهود يعارضون الاحتلال، وهناك تيارات دينية ترفض الصهيونية من أساسها لأسباب عقائدية. وعندما يستقبل البيت الأبيض ممثلين عن هذا التنوع، فإنه لا يتبنى بالضرورة مواقفهم. لكنه بالتأكيد يعترف، ولو بصورة رمزية، بأن الصوت اليهودي ليس صوتًا واحدًا وهذا مهم سياسيًا.المشكلة ليست في النفوذ فقط، بل في احتكار التمثيلربما يكون السؤال الأكثر دقة هو: هل يتراجع نفوذ إسرائيل؟ لكن السؤال الأعمق هو: هل تتراجع قدرتها على احتكار من يمثل اليهود سياسيًا في واشنطن؟ هناك فرق بين الأمرين. فمن الممكن للوبي أن يبقى قويًا حتى لو لم يعد قادرًا على الادعاء بأنه يمثل الجميع. ومن الممكن ايضا للمؤسسات المؤيدة لإسرائيل أن تحافظ على نفوذ واسع، حتى في ظل ظهور أصوات يهودية أخرى. لكن تعدد الأصوات يغير البيئة السياسية؛ لأن أحد مصادر القوة ببساطة هو القدرة على القول إن الدفاع عن إسرائيل هو، في الوقت نفسه، دفاع عن "الموقف اليهودي". وكلما أصبحت هذه المعادلة أكثر تعقيدًا، أصبح من الصعب اختزال نقد إسرائيل في موقف من اليهود. وهنا يكمن أحد أهم التحولات في السياسة الأمريكية. فاليوم أصبح من الممكن أن تجد داخل الولايات المتحدة أصواتًا يهودية تنتقد إسرائيل، أو ترفض الصهيونية، أو تدعو إلى تغيير السياسة الأمريكية تجاه الفلسطينيين. لكن وجود هذه الأصوات ليس جديدًا، فالجديد هو أنها أصبحت أكثر حضورًا في المجال السياسي العام.ترمب وإعادة توزيع قنوات النفوذهناك جانب آخر في شخصية ترمب السياسية يساعدنا على فهم ما يحدث، فترمب لا يبدو ميالًا إلى منح مؤسسة واحدة حق احتكار الحديث باسم جماعة كاملة. فهو يفضل تعدد قنوات الاتصال. ويستفيد من المنافسة بين القوى. ويحتفظ لنفسه بالقدرة على الانتقال بين الأطراف المختلفة. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى استقبال الحاخامات باعتباره جزءًا من منطق سياسي أوسع: حيث لا توجد جهة واحدة تتحدث باسم اليهود الأمريكيين. ولا توجد جهة واحدة يجب أن تحدد للرئيس الأمريكي ما هي المصلحة الأمريكية في الشرق الأوسط. وهذه ليست بالضرورة سياسة مناهضة لإسرائيل، بل هي سياسة تهدف إلى تعدد مراكز التأثير ومنع أي طرف من احتكار الوصول إلى مركز القرار. وهذا يتفق مع التصريحات السابقة لترمب حول النفوذ الإسرائيلي. فإذا كان صحيحًا أن البيئة السياسية الأمريكية أصبحت أكثر تعددية، فإن قدرة أي طرف على احتكار التأثير ستصبح أقل.هل نحن أمام نهاية التحالف الامريكي-الاسرائيلي؟بالتأكيد لا. من الخطأ تفسير هذه التحولات باعتبارها بداية قطيعة أمريكية مع إسرائيل. فالعلاقة بين البلدين أعمق من شخص رئيس أو حكومة. فهناك تعاون عسكري وعلاقات استخباراتية ومصالح استراتيجية وروابط مؤسسية واسعة ولا تزال إسرائيل تمتلك دعمًا سياسيًا قويًا داخل الولايات المتحدة. لكن التحالف ليس الشيء نفسه الذي كان عليه دائمًا، فالعلاقات الاستراتيجية يمكن أن تبقى، في حين تتغير طبيعة النفوذ داخلها، وهذا هو الاحتمال الأكثر واقعية. فربما لا تتخلى واشنطن عن إسرائيل، لكنها تصبح أكثر استعدادًا للقول إن دعم الحليف لا يعني أن الحليف يحدد القرار. وهنا يظهر الفرق بين التحالف والاعتماد، فالولايات المتحدة قد تبقى حليفًا لإسرائيل، لكنها تصبح أقل استعدادًا لأن تكون مقيدة سياسيًا بخيارات الحكومة الإسرائيلية.هل ما يجري حقيقة أم مناورة؟ربما يكون الجواب الأدق هو أن الأمر حقيقة تستخدم في مناورة؛ فالحقيقة هي أن البيئة السياسية الأمريكية تغيرت بالفعل. أما المناورة فهي أن ترمب يستخدم هذا التغير لتوسيع هامش حركته. فهو لا يسعى بالضرورة إلى إضعاف إسرائيل، لكنه يريد أن يكون صاحب الكلمة الأخيرة في تحديد ما تفعله الولايات المتحدة وهو ما ينسجم مع فلسفته السياسية. فترمب لا يتعامل مع التحالفات باعتبارها التزامات ثابتة خارج النقاش، هو يتعامل معها باعتبارها علاقات قوة ومصالح. ومن هنا يمكن فهم رسالته بصورة مختلفة: إسرائيل مهمة بالنسبة لترمب، لكنها ليست فوق المصلحة الأمريكية. والتحالف معها مستمر، لكنه لا يمنحها حقًا مفتوحًا في التأثير على القرار الأمريكي. وإذا كان هذا هو الاتجاه الذي يتشكل، فإننا نكون أمام تحول مهم، ليس في وجود التحالف أم لا، بل في من يضع شروطه.ما الذي ينبغي مراقبته؟إن المعيار الحقيقي لن يكون في تصريحات ترمب، ولا في لقاء واحد مع تيارات حاخامات مناهضة للصهيونية ولا حتى في الخلافات الشخصية بين ترمب ونتنياهو. فالاختبار الحقيقي سيكون في السياسة. فهل ستصبح واشنطن أكثر استعدادًا للضغط على إسرائيل عندما تتعارض سياساتها مع المصالح الأمريكية؟ وهل سيتحول النقاش حول المساعدات العسكرية إلى جزء طبيعي من السياسة الداخلية؟ هل سيصبح انتقاد إسرائيل موقفًا يمكن لسياسي أمريكي أن يتبناه من دون أن يدفع الثمن السياسي الذي كان يدفعه في الماضي؟ وهل سيستمر التحول داخل الحزب الجمهوري، أم أنه سيبقى ظاهرة مرتبطة بترمب؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد ما إذا كنا أمام تغير مؤقت أو تحول طويل الأمد.في النهايةربما لا تكون القضية أن إسرائيل تفقد واشنطن. وربما لا تكون الولايات المتحدة في طريقها إلى التخلي عن أهم حلفائها في الشرق الأوسط. لكن شيئًا آخر قد يكون بدأ يتغير هو ان إسرائيل لم تعد قادرة بالقدر نفسه على التعامل مع الدعم الأمريكي باعتباره حقيقة سياسية لا تحتاج إلى إعادة إنتاج أو دفاع؛ فالإجماع أصبح أضعف، والأصوات أصبحت أكثر تنوعًا، والسؤال عن المصلحة الأمريكية أصبح أكثر حضورًا داخل الحزبين.وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات ترمب ولقاؤه بالحاخامات دلالة تتجاوز كل حدث على حدة. إنها تشير إلى احتمال انتقال السياسة الأمريكية من مرحلة كان فيها النفوذ الإسرائيلي يعمل داخل بيئة سياسية شبه مستقرة، إلى مرحلة أكثر تعددية وتنافسًا. وقد يكون التغير الأهم ليس تراجع قوة إسرائيل، بل تراجع قدرتها على احتكار تعريف العلاقة. وهذا هو الفارق بين أن يكون لديك حليف قوي في واشنطن، وبين أن تكون قادرًا على تحديد الطريقة التي يفكر بها هذا الحليف. وربما يكون هذا، في النهاية، هو التحول الذي بدأ ترمب بالإشارة إليه.
ترمب واليهود المناهضون للصهيونية: هل بدأ يتصدع احتكار إسرائيل للنفوذ في واشنطن؟
د. رمزي عودة/ الأمين العام للحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والأبرتهايد
وليد العوض – عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطين
د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح
التعليقات (0)